الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٨٥
ومن العجب أن سيرة عثمان السابقة لا تشي بهذا الكرم، ففي الوقت الذي كان فيه المسلمون يعانون الضيق في مكة، قبض عثمان يده عن الانفاق عليهم حتى نزلت بحقه آية من الكتاب العزيز، فقد أخرج المفسرون، أن قوله تعالى: (أفرأيتَ الذي تَولّى * وَأَعطى قَليلا وَأكدى * أَعندَهُ عِلمُ الغَيبِ فَهوَ يَرى)[١].
قد نزلت في حق عثمان بن عفان الذي كان يتصدّق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبدالله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع! يوشك أن لا يُبقى لك شيئاً، فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال له عبدالله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلها! فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة، فأنزل الله تعالى: (أَفَرأيتَ الذي تَولّى... الآية)، فعاد عثمان الى أحسن ذلك وأجمله[٢].
وإذا كان عثمان بن عفان سريعاً الى الانفاق حبّاً لله ورسوله، فما باله لم ينفق درهماً من أجل أن يناجي النبي (صلى الله عليه وآله) وهو صهره، وقد زوّجه النبي (صلى الله عليه وآله) اثنين من بناته! وذلك عند نزول قوله تعالى: (يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إذا ناجَيتُمُ الرَّسولَ فَقدِّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجواكُم صَدَقَةً ذلكَ خَيرٌ لَكُمْ وأَطهرُ فإنْ لَمْ تَجدُوا فإنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ * ءأَشفقتُم أَنْ تُقَدِّموا بَينَ يَدَيْ نَجواكُم صَدَقات فَإلَمْ تَفعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيكُمْ فَأَقيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وَأطيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبيرٌ بِما تَعمَلُونَ)[٣].
قال مقاتل بن حيّان: نزلت الآية في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي (صلى الله عليه وآله) فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره
[١] سورة النجم: ٣٣، ٣٤، ٣٥.
[٢] أسباب النزول للواحدي: ٢٩٨، الكشاف ٣: ١٤٦، تفسير القرطبي ١٧: ١١١.
[٣] سورة المجادلة: ١٢، ١٣.