الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ١٧
من بعد ذلك الى التقيد بآراء المجتهدين في المذهب والتخريج عليها، ثم الى الجمود والوقوف عندما انتهى إليه السابقون، إذ يقفون عندها لا يعدونها".
ومن الاُمور المهمة التي أثارت انتباهي، هي أن الفقهاء الكبار لم يكونوا يرون لأقوالهم هذه القدسية التي نراها نحن لهم اليوم من اتباعهم، فأبو حنيفة يقول: "هذا أحسن ما وصلنا اليه، فمن رأى خيراً منه فليتبعه".
وقد سأله البعض: أهذا الذي انتهيت اليه هو الحق الذي لا شك فيه؟
فقال: لا أدري، لعله الباطل الذي لا شك فيه والشافعي كان يحث أصحابه على مخالفة قوله إذا وجدوا حديثاً يخالفه ويقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأن مالكاً كان ينهى أصحابه عن كتابة فتاويه، وعندما رأى أحد تلاميذه يدوّن أقواله قال له: ويحك يا يعقوب أتكتب كل ما أقول؟ إني قد أرى رأياً اليوم واُخالفه غداً، وقد أرى الرأي غداً واُخالفه بعد غد. وان الامام أحمد بن حنبل يقرر أن لكل انسان أن يجتهد[١].
فهؤلاء الأئمة الكبار قد اجتهدوا على قدر طاقاتهم، ولم يلزموا أحداً بالجمود الى آرائهم، ولكن الناس جمدوا بعد ذلك على آرائهم، وهكذا أخذ الإتّباع يسود التفكير الفقهي. ومن وراء الاتّباع كان التقليد; فالتقليد سار من القرن الرابع الهجري ولكنه كان تقليداً جزئياً ابتداءاً، ثم أخذ نطاقه يتسع حتى صار تقليداً كلياً في آخر العصور، كما يقول الشيخ أبو زهرة.
ويلخص الشيخ أبو زهرة أسباب التقليد بعدة نقاط وهي:
١ - إتّباع التلاميذ لشيوخهم.
٢ - القضاء
[١] انظر تاريخ المذاهب الاسلامية، الكتاب الثاني: ٢٦٥، ٣٠١، ٣٠٣.