الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٧٤
ذلك الكثير الواسع حتى رووه، وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله!
ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة الى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة أنه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة اُخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم; فنكّلوا به، واهدموا داره، فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما الكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي (عليه السلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليتمكّن عليه; فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر; ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء المراؤون، والمستضعفون الذين يُظهرون الخشوع والنُّسُك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل; حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها...
قال ابن أبي الحديد: وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه -وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم[١] في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اُفتعلت في أيام بني اُمية، تقرّباً إليهم
[١] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥: ٧٥: الامام الحافظ النحوي العلاّمة الأخباري، إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان العتكي الأزدي الواسطي، ولد سنة ٢٤٤ هـ، صاحب التصانيف، وكان ذا سنيّة ودين، من تصانيفه (تاريخ الخلفاء).