الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٦٢٩
فترة مبكرة، فقالت عائشة(رض): (يا أهل العراق، أهل الشام خير منكم، خرج إليهم نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثير فحدّثونا بما نعرف، وخرج اليكم نفر قليل من أصحابه، فحدثتمونا بما نعرف وبما لا نعرف).
وقدم جماعة من أهل العراق الى عبدالله بن عمرو بن العاص بمكة طالبين إليه أن يحدّثهم، فقال لهم: (إن من أهل العراق قوماً يكذبون ويكذبون ويسخرون).
وقال الزهري: (إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به ثم اردد به).
وقد كان من نتيجة ذلك أن ضربت السلطة في دمشق العزلة العلمية عليهم، فلم تستفتهم فيما يستجد من أقضية وأحداث، بل اعتمدت على علماء الشام والمدينة فقط. يقول الأوزاعي: كانت الخلفاء بالشام، فاذا كانت الحادثة سألوا عنها علماء أهل الشام وأهل المدينة، وكانت أحاديث العراق لا تتجاوز جدر بيوتهم، فمتى كان علماء أهل الشام يحملون عن خوارج أهل العراق.
وهذا مالك بن أنس، فقيه المدينة العظيم، لم يرو عن أحد من الكوفيين سوى عبدالله بن إدريس الذي كان على مذهبه، وكان يقول في ذلك: كما لم يرو أولونا عن أوليهم، كذلك لا يروي آخرونا عن آخريهم، وكلام مالك صريح في أن عدم رواية العلماء عن الكوفيين ليست ظاهرة برزت في جيله، بل ان جيله كان يتبع الأقدمين في عدم الأخذ عنهم.![١]
لو أننا حلّلنا مقولة العمري لوجدناها تكشف عن نقاط الإلتقاء بينها وبين سياسة الدولة الاُموية بشكل واضح، إضافة الى أن الأشخاص المذكورين بذم العراق وأهل الكوفة ورفض احاديثهم، هم في الحقيقة الذين كانوا إما في
[١] بحوث في تاريخ السنّة المشرفة: ١٩ - ٢٣ عن إبن عساكر ١: ٦٩، الطبقات ٤: ٢٦٧.