الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٩٤
ثم عمر بن الخطاب! فعدّ رجالا"[١].
ولست أدري ما الذي يجعل أمير أحد الجيوش على أن يسأل النبي (صلى الله عليه وآله) عن أحب الناس إليه، وما المناسبة لذلك! مع العلم أنه يتهيأ للحرب، والمفترض في هذه الحال أن يسأله عما يفعله والتدابير التي يجيب اتخاذها لتحقيق النصر العسكري! مع أن الرواية عن عمرو بن العاص، وكفى به أمانة.
إنَّ من المعلوم أن كل إنسان سوي معتدل المزاج، لابد وأن يكون أولاده أحبّ الناس إليه، ولا يعقل أن يحب رجل إمرأة أكثر من أولاده، فكيف بالنبي (صلى الله عليه وآله) وهو كما وصفه الله تعالى في محكم كتابه بأنه على خلق عظيم، فهل يعقل أن يحب النبي إمرأته أكثر من إبنته الوحيدة التي بقيت له من مجموع أولاده الذين اختارهم الله إلى جواره؟ أوليست هذه الرواية المفتعلة تعطي لأعداء الإسلام -وبخاصة المستشرقين- مبرّراً لترديد مقالاتهم عن شهوانية النبي وحبّه للنساء -حاشاه- وأن مسألة تزوجه من عدد من النساء إنما كان بدافع الشهوة الجنسية ليس إلاّ! ورغم ذلك فاننا لا نجد كبير عناء في معرفة الحقيقة، وهي أن هذه الرواية قد وضعت -بأمر معاوية وبتنفيذ عمرو بن العاص- في مقابل الرواية التي تطمئن إليها النفس وتكشف عن حقيقة مشاعر النبي (صلى الله عليه وآله)، والتي تتضمن إعتراف عائشة نفسها بالحقيقة، فعن النعمان بن بشير قال: إستأذن أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: والله لقد عرفتُ أن علياً وفاطمة أحب إليك مني ومن أبي - مرتين أو ثلاثاً-...[٢]
فيتضح أن رواية البخاري عن عمرو بن العاص قد وضعت دون شك في
[١] صحيح البخاري ٥: ٦ باب مناقب المهاجرين وفضلهم، و ٥: ٢٠٩ باب غزوة ذات السلاسل.
[٢] مجمع الزوائد ٩: ٢٠١ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.