الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٧
للمكروه من قول أو أذى، ولهذا يضطر أن يمرّ بالقضايا الحساسة مرّاً خفيفاً أو دون نقد ولا إبداء رأي"[١].
ويستطيع الباحث أن يلاحظ أثر الرأي العام هذا على المؤلفين القدامى، فالطبري - مثلا - قد بدأ كتابه بالاعتذار عن كل ما لا يوافق ميول الرأي العام، فأخرج الأمر من عهدته وألقاه على عاتق الرواة الذين نقل عنهم، فقال في مقدمة سفره التاريخي: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه. أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنىً في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤتَ من قِبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا[٢].
ومما تجدر الاشارة إليه، ان الطبري رغم اعتذاره مقدماً، وتهيئته ذهن القارئ الى وجود اُمور قد لا يرتضيها في هذا التاريخ، فإنه قد تنكّر أحياناً لمبدئه، ولم ينقل كثيراً من الروايات (لبشاعتها وشناعتها) على حد تعبيره، أو لأنه وكما يقول: (كرهت ذكرها)، أو (لأن العامة لا تحتمل سماعها) في أحيان اُخرى.
وغير الطبري من المؤلفين قد خضعوا أيضاً لسلطان الرأي العام، فإبن هشام -صاحب السيرة النبوية المعروفة- والتي رواها عن اُستاذه ابن إسحاق، قد اعترف بأنه قد اختصر سيرة ابن إسحاق وحذف منها اُموراً وصفها بأن (بعضها يشنع الحديث عنه) و (بعض يسوء بعض الناس ذكره) و (بعض لم يقرّ لنا البكائي بروايته)، وبهذا قدّم ابن هشام ـ المتوفّى سنة (٢١٠ هـ) ـ قبل الطبري بقرن من الزمان اعتذاره للقرّاء بأن سلطان الرأي العام يفرض عليه
[١] تاريخ العرب في الاسلام، جواد علي: ١٠.
[٢] تاريخ الطبري ١: ٨.