الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٧٧٠
الأحوال. لكن ما حدث هو أن قريشاً اختارت ثقلا واحداً هو كتاب الله، ورفضت الثقل الثاني الذي هو في الحقيقة مستودع العلم النبوي وحافظ سنّته، فكانت النتيجة أن الأجيال التي جاءت بعد جيل الصحابة قد وجدت نفسها مقطوعة عن السنّة النبوية الحقيقية المتمثلة بأهل البيت، وبما أن الثقل الأول ليس فيه تفصيل التشريع بكل دقائقه، بل هو مُجمل، فقد وجدت هذه الأجيال نفسها محتاجة إلى المصدر الثاني للتشريع، لكن هذا المصدر كان قد تمّ إقصاؤه عن الساحة، فراحت هذه الأجيال تبحث عن البديل، فلجأت إلى الصحابة على اعتبار أنهم كانوا على إتصال بالنبي (صلى الله عليه وآله)، فهم ينبغي أن يكونوا مطّلعين على هذا المصدر الثاني المكمّل للمصدر الأول، فراحوا يلتمسون ضالتهم عندهم، وكان ذلك بداية السير في الطريق الخاطئ!
يقول الشيخ أبو زهرة: كان عمل الصحابة على قسمين: احدهما، ما يتفقون عليه... وهذا يكون إجماعاً، وهو حجة في ذاته، وبهذا قال جمهور الفقهاء... وإذا لم يجتمعوا، فإن التابعين كانوا لا يخرجون عن أقوال الصحابة، وإن كان كل تابعي يختار رأي شيخه غالباً، أو يختار رأي غيره من الصحابة نادراً... وأن التابعين كانوا يأخذون رأي الصحابي - سواء كان مجمعاً عليه أم كان غير مجمع عليه- على أنه سنّة، لا على أنه مجرد رأي، فأقوال الصحابة سنّة عندهم يجب اتباعها ولو كان أساسها الظاهري الاستنباط المجرد، وكذلك جاء من بعدهم الفقهاء المجتهدون، فاعتبر أكثرهم رأي الصحابي حجة يجب الأخذ بها..[١]
إن الخطأ الذي وقع فيه التابعون ومن بعدهم الفقهاء المذهبيون هو اعتبار
[١] تاريخ المذاهب الإسلامية: ٢٦٢.