الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٩٥
فكتب إليه عمرو: أما بعد، فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين. فأما ما ظهر لي من مال، فإنّا قدمنا بلاداً رخيصة الأسعار، كثيرة الغزو، فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي اتصل بأمير المؤمنين نبؤها، ووالله لو كانت خيانتك حلالا ما خنتك وقد ائتمنتني، فإن لنا أحساباً إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك، وذكرت أن عندك من المهاجرين من هو خير مني، فإذا كان ذاك، فوالله ما دققتُ لك يا أمير المؤمنين باباً، ولا فتحت لك قفلا.
فكتب إليه عمر: أما بعد، فإني لستُ من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شيء، ولكنكم معشر الاُمراء قعدتم على عيون الأموال، ولن تعدموا غدراً، وإنما تأكلون النار وتتعجلون العار، وقد وجّهت إليك محمد بن مسلمة، فسلّم إليه شطر مالك...[١]
فعمر بن الخطاب يتّهم عمراً بالخيانة صراحة، ولم تنفع اعذار عمرو في اقناع الخليفة ولا عدوله عن رأيه في مشاطرة عمرو أمواله، ولقد ظلت هذه الحسرات على فوات مصر وثرواتها من يد عمرو تنغّص عليه عيشه، وتدفعه للتأليب على عثمان الذي حرمه منها، فلما جاءت الفرصة على يد معاوية، خفَّ عمرو إليه وكلّه أمل في عودة مصر إليه، "ويكفي أن نشير الى حجم هذه الصفقة بين الرجلين، في انتقال ابن العاص المثير من موقع الساخط المتمرد على الخليفة السابق - معبراً عن ذلك بعد خروجه من الحجاز بقوله: كنت لألقى الراعي فاُحرّضه على عثمان- الى مطالب بدمه ومدافع عن قضيته تحت اللواء الاُموي في الشام!"[٢].
لقد علم معاوية أن الأمر لا يتم له إن لم يبايعه عمرو، فقال له: يا عمرو
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ١٧٤.
[٢] من دولة عمر...: ١٢٧.