الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣١٧
وأكرموهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته! ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصّلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه فلبثوا بذلك حيناً...[١].
هكذا بدأت سياسة معاوية الاعلامية في تشكيل الرأي العام الإسلامي المناهض لعلي بن أبي طالب وشيعته، والمتعاطف مع عثمان بن عفان وشيعته، وامتد ذلك على مدى عشرين عاماً من خلافة معاوية، وهي مدة تكفي لنشوء جيل على هذه العقيدة الجديدة.
ولم يتوان معاوية طيلة مدة حكمه عن الاستمرار في هذه السياسة ودفعها الى الأمام بشكل مستمر، ولم يقبل نصيحة أو رأياً حتى من معاونيه الذين قال ابن أبي الحديد المعتزلي: اشتركوا معه في أداء هذه المهمة وانجاحها.
" روى الزبير بن بكار في (الموفقيات) -وهو غير متهم على معاوية، ولا منسوب الى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي (عليه السلام) والانحراف عنه-:
قال المطرّف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية، وكان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف اليّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب مما يرى منه; إذ جاء ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة، وظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت: مالي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال: يا بني، جئتُ من
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ٤٤.