الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٤
الحضارة والتقدم العلمي الحديث.
لكن الحقيقة أن هذه النظرة الى التاريخ - وبخاصة التاريخ الاسلامي- قاصرة تماماً عن إستيعاب حركة الصراع الحضاري العالمي الذي يمثل التاريخ أحد أهم أوجهه، فالمسلمون ينظرون الى تاريخهم على أنه جزء لا يتجزأ من عقيدتهم الدينية نفسها، فأبطال هذا التاريخ ليسوا كأبطال التاريخ اليوناني والروماني وغيرهما من الاُمم، لأن دور اولئك الأبطال كان محدوداً بتلك الحقب التي عاشوها أو التي امتدت بعدهم الى حين، أما شخصيات التاريخ الإسلامي، فتتمثل أهميتهم في ارساء قواعد عقيدية لها ارتباط تام بفلسفة الفرد المسلم ومجتمعه الذي تتحكم فيه العقيدة الإسلامية وما يترتب على ذلك من آثار تتعلق بكافة النواحي الحياتية للفرد والمجتمع، وبما يكفل للمسلم نفحات روحية تجعل لوجوده على هذا الكوكب معنىً أسمى من مجرد بناء هياكل عمرانية واُسس حضارية خالية من القيم الروحية التي تشدّ أجزاء المجتمع الإسلامي بعرىً وثيقة لا تنفصم، تلك العرى التي تفتقر اليها معظم المجتمعات الغربية العلمانية المتحضرة، لأن تاريخها لا يمثل بالنسبة اليها جزءاً من عقيدتها الدينية.
أما بالنسبة للمسلمين، فإن لتاريخهم خصوصية خاصة بالنسبة لهم "لأن هذه الاُمة ذات وضع معين في التاريخ... إنها ليست مجرد اُمة من اُمم الأرض، إنها اُمة الرسالة الخالدة التي حملت رسالة الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) الذي اُرسل الى البشرية كافة، والى قيام الساعة"[١].
[١] كيف نكتب التاريخ، محمد قطب: ١٩.