الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٥٠
عاجل الدنيا لإصلاحها، وأما الذي يلزمني من الحق والمعرفة بعمال عثمان، فوالله لا اُولي منهم أحداً أبداً، فإن أقبلوا فذلك خير لهم، وإن أدبروا بذلت لهم السيف. قال ابن عباس: فاطعني وادخل دارك والحق بما لك بينبع، وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، فإنك والله إن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنّك الناس دم عثمان غداً. فأبى عليّ، فقال لابن عباس: سر الى الشام فقد وليتكها، فقال ابن عباس: ما هذا برأي، معاوية رجل من بني اُمية وهو ابن عم عثمان وعامله على الشام، ولست آمن أن يضرب عنقي لعثمان، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيحكّم علي. فقال له علي: ولم؟ قال: لقرابة ما بيني وبينك، وإن كل ما حُمل عليك حُمل علي، ولكن اكتب الى معاوية فمنّه وعِدهُ. فأبى عليّ وقال: والله ما كان هذا أبداً...[١]
فإذا كان علي بن أبي طالب لا يتردد لحظة في عزل عمال عثمان وفي مقدمتهم معاوية وهو يعلم مدى خطورة هذا العمل، وأن الشام والعراق قد تنتقضان عليه؟ فكيف يؤخر إقامة الحد على قتلة عثمان خوفاً من بضع مئات من الرجال، وتحت يده اُلوف الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم؟!
إنّ الأعذار التي يسوقها المؤلفون لمعاوية، هي نفس الأعذار التي تذرّع بها معاوية، ومحاولتهم حلّ التناقض في مواقف علي لا تأتي بالنتيجة المرجوة، لأنها مبتنية أساساً على الزيف، وهي التي تصوّر الاُمور على نقيضها تماماً، ومما يثبت صحة كلامنا هو ما نلاحظه على أقوال اولئك المؤلفين، إذ يقول محب الدين الخطيب مثلا: وقد كان معاوية يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغي في حرب صفين، لأنه لم يبتدئها، ولم يأت لها الاّ بعد خروج علي من
[١] تاريخ الطبري ٤: ٤٣٩.