الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٧٤
برواية سيف بن عمر- الذي تفرد بذكر هذا السبب، متناسين أن القول بذلك يجرّ الى الاعتراف بأن الاُمة الإسلامية -ومن ضمنها بعض كبار الصحابة- قد بلغت بهم الغفلة والسذاجة درجة جعلتهم يصبحون أتباعاً لهذا اليهودي المنافق الذي دخل الاسلام كيداً بأهله، واستطاع بدهائه الخارق ومكره أن يستخف عقولهم ويجعلهم أداة طيعة في يده، يؤلبهم على بعضهم حتى نجح في دفعهم للانتقاض على خليفتهم وقتله في عقر داره على مرأى ومسمع من اُلوف الصحابة الذين لم يحركوا ساكناً لدفع هذا المنكر. ولعل هذا الأمر قد أوقع القدماء أيضاً في حرج شديد، فلم يجدوا تبريراً لهذا الفعل المشين إلاّ الادعاء بأن عثمان قد استسلم لقتلته بوصيته من النبي (صلى الله عليه وآله) حقناً لدماء المسلمين -كما يدعون- ولسوف نناقش هذا الادعاء فيما بعد.
أما القسم الآخر من الباحثين - ممن أدرك عقم النظرية السابقة وتهافتها- فقد اتّجه الى إلقاء التبعة على الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما حدث من تغيّر في تركيبة المجتمع الاسلامي ودور الأعراب والعصبية القبلية في تأجيج هذه الفتنة، ومعظم هذه الآراء متأثرة بالأبحاث الاجتماعية التي تتبناها بعض مدارس الغرب بعد عصر النهضة، ومع أهمية هذه الاُمور فعلا ودورها في وقوع الفتنة، إلاّ أنها ليست كل الأسباب، بينما ألقى البعض اللوم على سياسات عثمان المالية والإدارية وتعيين الولاة غير الأكفاء من ذوي قرباه، مما أثار موجة السخط العام.
والحقيقة فإن بعض تلك العوامل مجتمعة. إضافة الى عوامل اُخرى، قد تضافرت لتؤدي في النهاية الى إشعال نيران هذه الفتنة التي هزت أركان المجتمع الإسلامي وأدت الى التخلي في النهاية عن مبدأ الشورى أو الاختيار،