الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٩٨
أو غير ذلك، لاعتقادي بأن تلك الاُمور ليست بذات أهمية بالقياس الى السيرة الذاتية للمرء، خاصة وأن عمرو قد التحق بمعاوية في أواخر عمره، وبعد أن صار على أعتاب قبره، إلاّ أن حب الدنيا قد ظل مغروساً في أعماقه، وبدلا من أن يقضي ما تبقى من عمره في العبادة والاستغفار بعد أن أكرمه الله تعالى بالاسلام وصحبة نبيّه (صلى الله عليه وآله)، نراه يعرض عن كل ذلك ويستقبل الدنيا من جديد مؤثراً مرافقة البغاة وصحبتهم على صحبة من هم خير منهم وأقرب للتقوى، ولو أن عمرو بن العاص قد شكّ في معرفة الحقيقة أفلا اعتزل الأمر كما فعل غيره من الصحابة -وذلك أضعف الإيمان- ولكنه أبى إلاّ النباهة في الدنيا والخسران في الآخرة.
لقد أوردت هذا الشيء اليسير من سيرة عمرو بن العاص رداً على ادعاءات أصحاب الاتجاه المعروف، الذين يضفون عليه سيما التقوى والورع ومحاسبة النفس في اعترافه بأكل أموال المسلمين بغير حق، وقد تبين لكل ذي بصيرة أن عمرو بن العاص قد باع دينه - معترفاً بنفسه على نفسه بذلك- في مقابل ولاية مصر، فهل يبقى بعد ذلك كلام لعاذر!
ولقد أحسن ابن عباس القول لعمرو في مرضه الذي مات فيه، فقال له:
كيف أصبحت يا أبا عبدالله؟ قال: أصلحت من دنياي قليلا وأفسدت من ديني كثيراً، فلو كان الذي أصحلتُ هو الذي أفسدت، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزتُ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبتُ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فصرتُ كالمنجنيق بين السماء والأرض، لا أرقى بيدين، ولا أهبط برجلين، فعظني بعظة انتفع بها يا ابن أخي.
فقال له ابن عباس: هيهات يا أبا عبدالله! صار ابن أخيك أخاك. ولا تشاء