الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٢٩
الخلّة من النبي (صلى الله عليه وآله) لأحد من الناس.
وأما ما روي عن اُبي بن كعب قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه وهو يقول: "إنه لم يكن نبي إلاّ وقد اتخذ من اُمّته خليلا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا". أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم... أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول قبل أن يموت بخمس: "اني أبرأ الى الله أن يكون لي منكم خليل"! فإن ثبت حديث اُبي، أمكن الجمع بينهما بأنه لما برئ من ذلك تواضعاً لربه وإعظاماً له، أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لما رأى تشوّفه إليه، وإكراماً لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران...[١]
لا ندري كيف عرف ابن حجر أن الله تعالى قد أذن لنبيه باتخاذ أبي بكر خليلا لما رأى من تشوّف النبي (صلى الله عليه وآله) لذلك، وما الذي يستدعي أن يتخذ النبي خليلا في الساعات الأخيرة من حياته، أفما كان ذلك قبل الحين أجدر؟!
إن محاولة ابن حجر في التوفيق بين هذه الأحاديث المتناقضة هي من أكثر المحاولات تهافتاً دون شك، وإنّ نَفَس الوضاعين واضح فيه، ولقد كان بعض الصحابة يتباهون بخلّتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) غير أبي بكر، فحديث الخلّة في الصحاح ينفي هذه المنقبة لأبي بكر، ولم تصل إلينا مقولة لأبي بكر يدّعي خلّته للنبي (صلى الله عليه وآله)، في حين أثبتها غيره من الصحابة لنفسه، كقول أبي ذرّ الغفاري: أوصاني خليلي (صلى الله عليه وآله) بست: حب المساكين... الخ، الحديث[٢].
[١] فتح الباري ٧: ١٠.
[٢] حلية الأولياء ١: ١٥٩.