الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٥٩
ترجمان القرآن -بعد دعاء النبي له- يؤكد -وكما تؤكد الأخبار أيضاً- أنه كان أعلم من أبي بكر أيضاً. ولأن هذه الروايات تثبت أن أبا بكر لم يكن أقرأ الصحابة، مما أوقع الشرّاح في مشكلة جديدة، فانهم لجأوا -كعادتهم- إلى استنباط آراء وأفكار جديدة تخرجهم من الورطة، فقال ابن حجر:
في حديث أبي مسعود (أقرؤهم): قيل المراد به الأفقه، وقيل هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء. قال النووي: قال أصحابنا: الأفقه مقدّم على الأقرأ، فإن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه في الفقه غير مضبوط، فقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلاّ كامل الفقه، ولهذا قدم النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر في الصلاة على الباقين، مع أنه(ص) نصّ على أن غيره أقرأ منه، كأنه عنى حديث أقرؤكم اُبي، قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه! قلت: وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي (صلى الله عليه وآله) على أنه أقرأ من أبي بكر، كان أفقه من أبي بكر! فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه. ثم قال النووي بعد ذلك: إن قوله في حديث أبي مسعود: "فان كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأقدمهم في الهجرة" يدل على تقديم الأقرأ مطلقاً. انتهى. وهو واضح للمغايرة... ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلا بذلك فلا يقدم إتفاقاً...[١]
هذه التمحلات واضحة المقصد. ولا أظنها تحتاج الى مناقشة، إلاّ أنني أقول تعليقاً على العبارة الأخيرة بأن تقديم الأقرأ يشترط أن يكون عارفاً بما
[١] فتح الباري ٢: ١٣٥ - ١٣٦.