الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٨٦
الناس، فجعل يسلك تلك الطرق، فقال له عثمان: لو اعتزلت.
معناه: إنّك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطاً وللعزلة مثلها، ومن كان على طريقة أبي ذر، فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلّم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة. فخرج الى الربذة زاهداً فاضلا، وترك جلّة فضلاء، وكل على خير وبركة وفضل، وحال أبي ذر أفضل، ولا تمكن لجميع الخلق، فلو كانوا عليه لهلكوا، فسبحان مرتّب المنازل.
ووقع بين أبي ذر ومعاوية كلام، وكان أبو ذر يطلق من الكلام ما لم يكن يقوله في زمن عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من العامة أن تثور منهم فتنة، فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد واُمور لا يحتملها الناس كلهم، وإنّما هي مخصوصة ببعضهم، فكتب اليه عثمان أن يقدم المدينة، فلما قدم اجتمع اليه الناس، فقال لعثمان: اُريد الربذة. فقال له: افعل، فاعتزل، ولم يكن يصلح له إلاّ ذلك لطريقته[١].
هذا هو أمثل ما ارتآه ابن العربي في قصة أبي ذر، ظناً منه أنه بذلك يوفّق بين الاتجاهات المتناقضة بما يحفظ كرامة كل من عثمان وأبي ذر، ولكنه نسي أن القصة كما يوردها تسيء الى أبي ذر أكثر مما تحسن اليه، فضلا أن روايته تحمل تناقضات عديدة.
فما هي الفتنة التي خافها معاوية من دعوة أبي ذر الناس الى الزهد، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن أبا ذر لم يكن يملك السلطة التي تتيح له أن يفرض شيئاً على أحد، وغاية ما في الأمر أنه كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،
[١] العواصم من القواصم: ٨٥.