الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٩٧
فلما سار الى الربذة، قال: ردّني عثمان بعد الهجرة اعرابياً[١].
وقد حاول ابن كثير أن يرجّح كفّة عثمان على أبي ذر، إذ ادعى ضعف هذا الحديث، مع أن الحاكم قد أورده في مستدركه، بقول النبي (صلى الله عليه وآله): "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، على رجل أصدق لهجة من أبي ذر".
وفي رواية: "ما تقل الغبراء، ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبيه عيسى بن مريم"، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، فنعرف ذلك له؟ قال: "نعم، فاعرفوه له"[٢].
فيتبين من كل ذلك أن أبا ذر لم يكن مبتدعاً، ولا كان يريد حمل الناس على شريعة ومنهاج غريب عن روح الإسلام، -كما يحاول بعض المؤلفين الايحاء بذلك- ولا كانت دعوته بأن يتخلى الناس عن ثرواتهم كلّها ويعيشوا عيشة الزهد والتقشف التي الزم نفسه بها، فلقد "كان كثير من الصحابة كعبد الرحمان بن عوف وطلحة بن عبيدالله"رضي الله عنهم" يقتنون الأموال ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القُنية لأن الاعراض اختيار الأفضل"[٣].
ولم يذكر التاريخ أن مشادة وقعت بين أبي ذر وأحد من اولئك الصحابة بسبب اقتنائهم الأموال، بل كان الصراع متركزاً بين أبي ذر والسلطة المتمثلة بعثمان بن عفان وبعض ولاته كمعاوية.
[١] أنساب الأشراف ٦: ١٨٦.
[٢] المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٣٨ وصححه ولم يعترض الذهبي عليه. واُنظر سنن الترمذي ٥:٦٢٨ ح٣٨٠١، ٣٨٠٢، سنن ابن ماجة ١: ٥٥ ح١٥٦، مسند أحمد ٢: ١٦٣، ١٧٥، ٢٢٣، ح ١٩٧٥، ٦:٤٤٢، مصنف ابن أبي شيبة ١٢:١٢٤، المعجم للطبراني ٢: ١٤٩، مصابيح السنة ٤: ٢٢٠، الطبقات الكبرى ٤: ٢٢٨، الاستيعاب: ترجمة أبي ذر، الجامع الصغير ٢: ٤٨٥ ح٧٨٢٥، كنز العمال ١١: ٦٦٦ - ٦٦٨ ح ٣٣٢٢١ - ٣٣٢٢٩، ١٣: ٣١٦ ح ٣٦٨٨٨.
[٣] الكشاف للزمخشري ٢: ٢٦٧.