الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٩٦
ومن رجع الى كتب السيرة عرف ما ذكرناه"[١].
لقد كان موقف أبي ذر - وكما في الروايات التي سقناها- يتلخص في الطلب من عثمان اتباع سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والشيخين أبي بكر وعمر، ولقد اعترف القاضي ابن العربي نفسه بأن أبا ذر لم يكن يقول ما يقول في زمن عمر، أفليس هذا دليلا على أن موقف أبي ذر كان موجهاً لحكومة عثمان وليس الى الناس جميعاً ودعوتهم الى ترك الدنيا، بل كان يدعوالى عدم الاساءة في التصرف بأموال المسلمين، وكان نقده موجهاً بالدرجة الاولى الى عثمان ومعاوية، حيث لم يذكر التاريخ أن مشادة وقعت بين أبي ذر وأحد من الناس لهذا السبب.
ولقد بذل أبو ذر النصح لعثمان، لكن عثمان كان يأبى الاستماع الى النصح، ويتخذ موقفاً متشدداً من أبي ذر، حتى يجابهه بقوله: "كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها، وقد انغلْت الشام علينا.
فيقابله أبو ذر بطلب بسيط: اتبع سنة صاحبيك، لا يكن لأحد عليك كلام"[٢].
إن تكذيب عثمان لأبي ذر، هو في الحقيقة جرأة على النبي (صلى الله عليه وآله)، ولقد أشار أبو ذر إلى ذلك، فيما أخرج البلاذري عن قتادة، قال: تكلم أبو ذر بشيء كرهه عثمان، فكذبه، فقال: ما ظننت أن أحداً يكذبني بعد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما أقلّت الغبراء، ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر".
ثم سيّره الى الربذة، فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقاً.
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ٣: ٥٨.
[٢] شرح نهج البلاغة ٣: ٥٦.