الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٩٥
لقد أعطى الطبري وجهة نظر العاذرين لمعاوية -كما أسماهم- وهو مؤيدو السلطة بشكل عام- تبعاً لرواية سيف- ولاحظنا أن وجهة نظر هؤلاء تحاول الحط من مقام صحابي كبير وتظهره بمظهر التابع لمؤجج الفتن ابن سبأ، ولابد من تسجيل هذه الملاحظة على اولئك الذين يدّعون ان سيف بن عمر كان يدافع عن الصحابة، لذا حاولوا تبرأته من تهمة الزندقة، ولكن قصة أبي ذر سجّلت النقطة الاُولى على أولئك المؤيدين لمنهج سيف، وسوف تكشف الأحداث اللاحقة عن خطل رأي اولئك في سيف.
لقد كان جديراً بهؤلاء المؤرخين والباحثين أن ينظروا الى موقف أبي ذر من وجهة نظر الإسلام، لا من وجهة نظر الوضاعين أمثال سيف، وبين أيديهم كتب الحديث وفيها من الروايات الصحيحة في فضل أبي ذر والثناء عليه من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ما لا يحصى، ومما يجعل الجميع يفهمون حقيقة موقف أبي ذر.
لكن المشكلة -كما قلنا- تتلخص في موقف (الرأي العام) الذي يسير في ركاب السلطة عادة، والقناعات التي تراكمت على مر السنين، وهذا ما سوف نتطرق إليه بشكل أكثر تفصيلا في مبحث خاص، بما يجلو الغموض عن سرّ ذلك الموقف. لقد كان التناقض بين موقف أبي ذر وموقف السلطة واضحاً، وبشكل كان يؤدي الى التصادم بينها، ولم يكن أبو ذر وحده في هذا الميدان، وإلاّ لما ألقت السلطة إليه بالا، ولكن "لم يكن في أهل المدينة إلاّ من كان راضياً بقوله، عاتباً بمثل عتبه، إلاّ أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه مخف ما عنده، وما في أهل المدينة الاّ من رثى لأبي ذر مما حدث عليه ومن استفظعه،