الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٩٤
ولم تقتصر الجملة على أبي ذر بجعله تابعاً لابن سبأ، إذ أن أحد الباحثين المعاصرين قد تفتقت عبقريته بأبعد من ذلك، فجعله تابعاً لمزدك، عن طريق بعض الفرس الذين تأثر بهم أبو ذر - على حد زعمه- حيث يقول الدكتور أحمد أمين بعد ايراده رواية الطبري تلك:
فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقادها، وصبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه...[١].
وقد نسي الدكتور أمين أن موطن الفرس وتعاليم مزدك كانت في بلاد فارس وأجزاء من العراق.
وقد أنصف الدكتور عمارة إذ أشار الى هذا الخطأ بقوله:
وليس من دليل يدعو الى أن نقبل ما ارتآه بعض الناس من أن أبا ذر(رضي الله عنه)اقتبس هذه الأفكار من الفرس الذي يتبعون رأي مزدك. أو أن الذي أوحى بها اليه هو عبدالله بن سبأ، فلا دليل على أنه كانت هناك أية صلة بينه وبين الفرس، أو أنه كان يعرف لغتهم، وربما لم يكن سمع بمزدك هذا أبداً.
وأما ابن سبأ - وإن كان هذا قد نقله المؤرخون عن الطبري- قد حمل أكثر مما يحتمل، ونسبت اليه أكثر الآراء التي لم يكن جمهور الاُمة راضياً عنها، وجُعل على حد تعبير حديث (كبش الفداء) في كل هذه الفتن التي وقع فيها من الحوادث ما يثير مشاعر المسلمين. وما الذي - بعد هذا كله- يمنع صحابياً من القراء أي من العلماء، عابداً زاهداً أن يكوّن رأياً كهذا من تلقاء نفسه، وهذا هو استشهاده بالآيات واستدلاله بروح الإسلام[٢].
[١] فجر الاسلام: ١١١.
[٢] النظريات السياسية في الإسلام: ٥٧.