الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٨٩
على الزهد، وأن أدعوهم الى الاجتهاد والاقتصاد.
قال: فتأذن لي في الخروج، فإن المدينة ليست لي بدار؟
فقال: أو تستبدل بها إلاّ شراً منها قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعاً.
قال: فانفذ لما أمرك به.
قال: فخرج حتى نزل الربذة، فخط بها مسجداً، وأقطعه عثمان صرمة من الابل وأعطاه، مملوكين، وأرسل اليه: أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابياً، ففعل[١].
إلاّ أن الذين أخذوا بهذه الرواية - بسندها المعروف- لم يذكروا سبب سكوت معاوية عن اليهودي عبدالله بن سبأ بعد أن فضحه عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأخبرا معاوية بأنه الرجل الذي بعث أبا ذر عليه واكتفى معاوية بالكتابة الى عثمان في شأن أبي ذر وحده، فترك رأس الفتنة وأخذ ذيلها.
وقد فطن بعض الباحثين الى تهافت الرواية، فتصدوا لدحضها، فقد قال الدكتور طه حسين: ومن أغرب ما يروى من أمر عبدالله بن سبأ، أنه هو الذي لقّن أبا ذر نقد معاوية... ومن هذا التلقين الى أن يقال: إنه هو الذي لقّن أبا ذر مذهبه كله في نقد الاُمراء والأغنياء... وأبو ذر سبق الأنصار جميعاً وسبق كثيراً جداً من المهاجرين الى الاسلام، وهو قد صحب النبي فأطال صحبته، وحفظ القرآن فأحسن حفظه، وروى السنّة فأتقن روايتها، وشهد سيرة النبي وسيرة صاحبيه في الأموال والحقوق، وعرف من الحلال والحرام ما عرف غيره من أصحاب النبي الذين لزموه فأحسنوا لزومه.
[١] الطبري ٤: ٢٨٣.