الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٨٧
والناس ليسوا ملزمين باتّباع طريقته في الزهد، فمن شاء فعل ومن شاء ترك، كما لا أعرف كيف يطلب أبو ذر أن ينفي نفسه بنفسه الى البادية مع نهي النبي (صلى الله عليه وآله) من التعرب بعد الهجرة، وكان باستطاعته أن يعتكف في بيته ويترك مخالطة الناس، فيما لو صح كلام ابن العربي وغيره ممن ينحو هذا المنحى.
وإذا كان ابن العربي قد حاول أن يخفف من لهجة الهجوم على أبي ذر، فإن هناك آخرين لم يرضوا إلاّ بالأخذ برواية الطبري عن سيف بن عمر، والتي جعلت من أبي ذر تابعاً ذليلا لعبد الله بن سبأ، ذلك اليهودي المنافق الذي يحمل كل أوزار الفتنة -كما تدعي تلك الرواية- فأصبح أبو ذر بالنتيجة شريكاً له في تلك المؤامرة.
ومن أعجب العجب، أن معظم المؤلفين الذين يوردون تلك القصة في مؤلفاتهم، هم أنفسهم الذين يحاولون تبرئة سيف بن عمر من تهمة الزندقة لدفاعه عن الصحابة -كما يزعمون- وهم التيار الذي يحمل لواء تنزيه الصحابة مما يشنّع عليهم!
إن من يطلع على مصدر الرواية -وهو تاريخ الطبري- يستطيع أن يلحظ بكل وضوح دور الرأي العام في تقييم الأحداث وصبغها بتلك الصبغة التي جعلت هذا الصحابي يدفع ثمن تمرده على السلطة، وذلك مما يمكن فهمه من قول الطبري الذي قدّم للقصة بقوله: فأما العاذرون لمعاوية في ذلك، فإنهم ذكروا في ذلك، كتب اليّ بها السري، يذكر أن شعيباً حدّثه عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر، ألا تعجب الى معاوية، يقول: المال مال الله إلاّ أن كل شيء لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين.