الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٧٥٤
فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّوجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عزّوجل وصف قوماً بالكراهية فقال: (ذلكَ بأَنّهمْ كرِهُوا ما أَنزلَ اللهُ فأَحبطَ أَعمالهُمْ)[١].
فقال عمر: هيهات والله يابن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقُرّك عنها، فتزيل منزلتك عندي، فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا، فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسداً وظلماً! فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً، فقد تبيّن للجاهل والحليم! وأما قولك: حسداً، فان إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون. فقال عمر: هيهات، أَبَتْ والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً ما يحول، وضغناً وغشاً ما يزول. فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بالحسد والغش، فان قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم! فقال عمر: إليك عني يابن عباس...[٢]
ونص آخر عن عمر، يبدو أكثر جلاءً، إذ قال لابن عباس يوماً: يا عبدالله، عليك دماء البُدن إن كتمتها: هل بقي في نفس علي شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق! فقال عمر: لقد كان في رسول الله من أمره ذروٌ من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام!
[١] سورة محمد: ٩.
[٢] تاريخ الطبري ٤: ٢٢٣ - ٢٢٤.