الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٦١٨
قد بذلناه لهؤلاء، فتعالوا حتى اُحدّثكم. قال: فسمعهم يقولون: قال رسول الله، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا أهل الشام، مالي أرى أحاديثكم ليست لها أزمّة ولا خُطم! قال الوليد: فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ. وروى نحوها من وجه آخر: أنه كان يمنعهم أن يكتبوا عنه، فلما ألزمه هشام بن عبدالملك أن يملي على بنيه، أذن للناس أن يكتبوا[١].
وقد بدأت منذ ذلك الحين حملة تدوين الحديث، وأقبل الناس على الحديث النبوي، وكثر المشتغلون به، ولكن بما أن الحديث كان غير مدوّن طيلة أكثر من قرن من الزمان، بل وكان هناك تشديد على منع روايته، الى أن فتح معاوية بن أبي سفيان الباب للحديث، ولكن للحديث المكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من أجل ترويج سياسته، فانتشر الحديث الموضوع رواية، وكانت الفجوة الزمنية بين الرواية الشفهية والتدوين خير فرصة للوضّاعين، "فكانت هذه ثغرة نفذ منها أهل الأهواء الى تحقيق أغراضهم"[٢]، مما جعل البعض يرفضون الركون الى الحديث بسبب ذلك، وبخاصة أصحاب مدرسة الرأي، وعلى رأسها محمد بن النعمان أبو حنيفة الذي أعرض عن معظم الأحاديث المتناقلة بين الناس، لأنه "فحص الأحاديث الموجودة في عصره، وكانت عشرات الآلاف، فلم يصح في نظره منها إلاّ نحو سبعة عشر"[٣]، وتبعه على ذلك معظم الذين تمسكوا بالقياس، لذا فقد تعرض إمام الأحناف الى حملة تشهير شديدة من قبل أصحاب الحديث الذين كانوا يذمّون القياس وردّ الأحاديث. قال ابن عبدالبرّ: كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على
[١] سير أعلام النبلاء ٥: ٣٣٤، ترجمة الزهري.
[٢] بحوث في تاريخ السنّة المشرفة: ٢٤.
[٣] أئمة الفقه التسعة: ٦٨.