الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٧٣
اُولى الأسباب التي أدت الى انتشار الوضع في الحديث، هي السياسة الاُموية ذاتها، إذ أن تزييف التراث الإسلامي في جانب واحد لا يمكن أن يحقق الغرض المنشود، فلابد من أن يطال التزييف جميع نواحي هذا التراث حتى يتكامل العمل ويتحقق الهدف، وقد أوردنا في أحد الفصول من هذا الكتاب ما نقله ابن الحديد عن المدائني[١] في كتابه الأحداث عن النسخة الموحدة التي بعثها معاوية الى عمّاله بعد عام الجماعة، والتي تضمنت مراحل عديدة من خطة العمل المطلوب اتباعها، وكما يلي: منع رواية شيء من فضائل علي بن أبي طالب وعدم إجازة أحد من شيعته، وعلى العكس من ذلك، تقريب شيعة عثمان وإجازة كل من يروي شيئاً في فضله، وقد مرّ ذلك في الفصل الخامس من هذا الكتاب مع بعض الشواهد التي تؤيده، ونعود الآن الى استكمال القصة، لمعرفة المرحلة الثانية، وهي قول المدائني:
ثم كتب -أي معاوية- الى عمّاله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كل وجه وناحية; فاذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب، إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فان هذا أحبّ إليّ وأقرُّ لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، واُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من
[١] تقدمت ترجمته وقول ابن معين فيه: ثقة ثقة ثقة.