الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٤٨
عن أنس، ثم قال البخاري عن أنس بن مالك: لم يخرج النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثاً، فاُقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدّم فقال نبي الله: "عليكم بالحجاب" فرفعه، فلما وضح وجه النبي (صلى الله عليه وآله) ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي (صلى الله عليه وآله) حين وضح لنا; فاومأ (صلى الله عليه وآله) بيده الى أبي بكر أن يتقدّم وأرخى النبي (صلى الله عليه وآله) الحجاب، فلم يُقدر عليه حتى مات (صلى الله عليه وآله). ورواه مسلم من حديث عبدالصمد بن عبدالوارث عن أبيه، فهذا أوضح دليل على أنه (عليه السلام) لم يصلّ يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس، وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج إليهم ثلاثاً، قلنا: فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاّها معهم الظهر كما جاء مصرّحاً به في حديث عائشة المتقدّم، ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقي عن مغازي موسى بن عقبة وهو ضعيف، ولما قدّمنا من خطبته بعدها، ولأنه انقطع عنهم يوم الجمعة والسبت والأحد! وهذه ثلاثة أيام كوامل...[١]
هكذا بنى ابن كثير استنتاجه من خلال الروايات المتضاربة، مدّعياً بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد انقطع عن الصلاة بالمسلمين في مسجده الشريف ثلاثة أيام من بينها يوم الجمعة! وهنا يحق لنا أن نتساءل: من الذي صلّى يوم الجمعة صلاتها وألقى خطبتها؟ فاذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أوكل أمر إمامة الصلاة الى أبي بكر، فينبغي أن يكون أبو بكر هو الذي صلاّها وألقى خطبتها، فلماذا لم يصلنا هذا الخبر المهم، ولماذا لم تسمع اُذن الدنيا كلمة من الخطبة التي ألقاها أبو بكر في تلك الجمعة، مع أنها أول صلاة جمعة لا يحضرها النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو حدث تأريخي مهم حقيق بالمسلمين أن يحفظوه لأبي بكر - الذي حفظوا له أقوالا وخطباً كثيرة- فما بالهم لا يلتفتون الى هذه المسألة التي تشكل دعامة مهمة في استخلافه!
[١] فتح الباري ٢: ١٢٠ ـ ١٢٤.