الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٢٢
وكانت من بين أوائل السور التي اُنزلت. قوله تعالى مخاطباً نبيه: (وَوَجَدكَ عائلا فَأَغنى)[١]، إذ يسّر له الزواج من خديجة التي عاش في كنفها ربع قرن من الزمان، مصون الكرامة غير محتاج الى أموال أحد من الناس بما كفاه الله من أموال زوجه خديجة، وحتى بعد وفاتها لم يحتج النبي (صلى الله عليه وآله) الى أموال أبي بكر أو غيره، ويدلك على ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) عندما أراد الخروج من مكة مهاجراً الى المدينة برفقة أبي بكر، أبى أن يركب البعير الذي قدّمه له أبو بكر دون ثمن، فعن عائشة(رض) قالت (وساق الحديث الى قوله...) قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله(ص): "بالثمن..."[٢].
وعن ابن إسحاق: فلما قرّب أبو بكر(رضي الله عنه) الراحلتين الى رسول الله(ص)، قدّم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبي واُمي، فقال رسول الله(ص): إني لا أركب بعيراً ليس لي. قال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت واُمي، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا. قال: قد أخذتها به...[٣]
فالنبي (صلى الله عليه وآله) لم يرض بركوب جمل أبي بكر إلاّ بدفع ثمنه، ولو كان فقيراً محتاجاً إلى أبي بكر لما اشترط ذلك، فضلا عما في طبع النبي (صلى الله عليه وآله) من أنفة وعزّة نفس وترفّع عما في أيدي الآخرين مهما كانت منزلتهم.
وبعد الهجرة النبوية وبدء الغزوات والتعرض لأموال المشركين، فرض الله سبحانه وتعالى نصيباً معلوماً من الغنائم بقوله عزّ من قائل: (يَسأَلونكَ عَن الأَنفالِ قُل للهِ والرَّسولِ فاتَّقوا اللهَ وَأَصلِحوا ذاتَ بَينكم وَأَطيعُوا اللهَ وَرَسولهُ إنْ كُنتم
[١] الضحى: ٨.
[٢] صحيح البخاري ٥: ٧٥ باب هجرة النبي (ص) وأصحابه الى المدينة.
[٣] السيرة النبوية لابن هشام ٣: ١٣١.