الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٤٧٧
يدعو على أحد إلاّ وهو يعلم استحقاق ذلك الشخص لدعائه له أو عليه.
ولقد نال كل من معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص حظّهما من دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) عليهما - في حال كانا مشركين أو بعد تظاهرها بالإسلامـ فقد كان هذا الرجلان وأبواهما من أشد المؤذين للنبي (صلى الله عليه وآله)، وقد كان عمرو بن العاص يقول الشعر في هجاء النبي (صلى الله عليه وآله) عند ما كان مشركاً، و "كان يعلمه صبيان مكة فينشدونه ويصيحون برسول الله إذا مرّ بهم رافعين أصواتهم بذلك الهجاء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي بالحجر: "اللهم إن عمرو بن العاص هجاني، ولستُ بشاعر، فالعنه بعدد ما هجاني"[١].
وروى أهل الحديث أن النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص، عهدوا الى سلا جمل فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد بفناء الكعبة فسال عليه، فصبر ولم يرفع رأسه، وبكى في سجوده ودعا عليهم، فجاءت إبنته فاطمة (عليها السلام) وهي باكية فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فألقته وقامت على رأسه تبكي، فرفع رأسه (صلى الله عليه وآله) وقال "اللهم عليك بقريش" قالها ثلاثاً، ثم قال رافعاً صوته: "إني مظلوم فانتصر" قالها ثلاثاً، ثم قام فدخل منزله، وذلك بعد وفاة عمه أبي طالب بشهرين.
ولشدة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أرسله أهل مكة الى النجاشي ليزهّده في الدين، وليطرد عن بلاده مهاجرة الحبشة، وليقتل جعفر بن أبي طالب عنده إن أمكنه قتله...[٢]
وبعد تظاهر كل من معاوية وعمرو بالإسلام، ظلا يقترفان اُموراً جعلت النبي (صلى الله عليه وآله) يلعنهما ويدعو عليهما بدخول النار! فقد أخرج المحدثون عن أبي
[١] تفسير القرطبي ٢: ١٢٦.
[٢] شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد ٦: ٢٨٢.