الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٤٧
هذا التاريخ قد كتب في عصور متأخرة مما يجعله مشحوناً بالتحامل على الفترات التي سبقت تدوينه، ومن هؤلاء الباحثين الذين يدعون مثل ذلك: الشيخ محب الدين الخطيب الذي يقول:
إن التاريخ الاسلامي لم يبدأ تدوينه إلاّ بعد زوال بني اُمية وقيام دول لا يسرّ رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله، فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف: طائفة كانت ترى العيش والجدة من التقرب الى مبغضي بني اُمية بما تكتبه وتؤلفه، وطائفة ظنت ان التديّن لا يتم، ولا يكون التقرب الى الله إلاّ بتشويه سمعة أبي بكر وعمر وعثمان وبني عبد شمس جميعاً، وطائفة ثالثة من أهل الانصاف والدين -كالطبري وابن عساكر وابن كثير- رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الأخباريين من كل المذاهب والمشارب- كلوط بن يحيى الشيعي المحترق، وسيف بن عمر العراقي المعتدل- ولعل بعضهم اضطر الى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها، وقد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردوها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال راويه. وقد وصلت الينا هذه التركة، لا على أنها هي تاريخنا، بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا، وهذا ممكن وميسور إذا تولاّه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع، وله من الالمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ويجردها عن الذي لم يقع، مكتفياً باُصول الأخبار الصحيحة من الزيادات الطارئة عليها...[١].
ولسوف يتبيّن للقارئ أن الشيخ محب الدين الخطيب لم يلتزم بهذه
[١] العواصم من القواصم: ١٧٩ هامش: ٣٠٩.