الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٤٣
حتى وصلت الى الطبري أو البخاري وغيرهما، حيث قاموا بتدوينها بعد ذلك، ولعل منشأ هذا الاعتقاد يعود الى إستعمال المؤرخين والمحدثين بعض الألفاظ التي تسبق الرواية كقولهم: "حدثني أو حدثنا... الخ" مما يوحي للقارئ أن الحديث قد وصل الى هذا المحدّث أو المؤرّخ مشافهة عبر سلسلة الرواة الذين يذكر أسماءهم، وهذا وهم شائع، إذ أن التدوين أقدم من ذلك التاريخ، حيث يحدد البعض بدء التدوين بنهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني، وبالتحديد في زمن الخليفة الاُموي عمر بن عبدالعزيز المتوفى سنة ١٠١ هـ، وإن كان هناك ما يثبت أن التدوين كان أقدم من ذلك التاريخ أيضاً، وأن الصحابة كانوا يدوّنون الكثير من حديث النبي (صلى الله عليه وآله) وسيرته، وأن بعضهم كانت له صحف أو دفاتر يدوّن فيها ذلك، وأن أبناء اُولئك الصحابة وتلاميذهم قد توارثوا تلك الدفاتر جيلا بعد جيل، وأن معظم هذه الدفاتر قد أصبحت فيما بعد هي الروافد التي صبّت في نهاية الأمر في تلك المجاميع والمدونات الكبرى. "أن بداية التدوين والكتابة التاريخية إنما بدأت أشد بكوراً بحوالي القرن على الأقل مما كان يظن الباحثون، وأن قضية (العلم) العربي الذي ظل محفوظاً في الصدور والذاكرة حتى أواسط القرن الثاني إنّما هي محض خرافة"[١].
ولأجل توضيح الصورة، فلابد لنا من الاشارة الى الطرق التي اتبعت في تلقي الرواية ونقلها، والتي سمّيت (طرق التحمل)، حيث كان التلميذ يتلقى من شيخه الرواية وينقلها بدوره الى الذين سيصبحون فيما بعد تلاميذه، وطرق التحمل هي:
[١] التاريخ العربي والمؤرخون، شاكر مصطفى ١: ٧٩.