الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٤١
في التاريخ، فإن قواعد النقد هذه استعملت - الى حد ما- في التاريخ أيضاً، وقد ساعد على ذلك أن الروايات التاريخية كانت تتصدرها الأسانيد -كما هو شأن الاحاديث- كما أن مقاييس المحدثين سرت الى علم التاريخ، فقد اشترطوا في المؤرخ ما اشترطوه في رواة الحديث من العدالة والضبط، وبذلك أمكن تطبيق قواعد نقد الحديث في نقد الروايات التاريخية أيضاً، ولكن ذلك لم يتم بنفس الدقة، بل حدث تساهل كبير في ميدان التاريخ، فالمؤرخون الأوائل مثل خليفة بن خياط، والطبري، استقوا كثيراً من مادتهم التاريخية عن رواة ضعّفهم أهل الحديث، وبذلك لم يتشددوا في نقد رواة الأخبار كما فعلوا بالنسبة لرواة الحديث، لأن الحديث تترتب عليه الأحكام الشرعية، لذلك رفض العلماء الاحتجاج بالأحاديث ذات الاسانيد المنقطعة، في حين قبلوا ذلك في الروايات التاريخية، ولم يجدوا بأساً في استعمال صيغ التمريض في بيان طرق التحمل بالنسبة للروايات التاريخية، وهكذا ميّز العلماء منذ فترة مبكرة بين التاريخ والحديث، فلم يطبقوا قواعد نقد الحديث بدقة في نطاق التاريخ"[١].
وهذه واحدة من المشاكل التي عانى منها تاريخنا، إضافة الى أن تطبيق منهج متابعة الأسانيد بشكل تفصيلي يبدو صعباً الى حد ما، لأسباب: منها إن آراء العلماء قد تختلف كثيراً وربما تتناقض أحياناً في أحوال الرواة، فبعضهم يوثّق أحد الرواة وغيرهم يطعن فيه، "إن ميلنا الى قبول الروايات المتواترة في البحث، أو تسليمنا بخبر إن تكرر وروده في عدة مصادر قد لا يفيدنا أحياناً، لأن هذه المصادر المتعددة قد تكون مستقاة من مصدر واحد متى
[١] بحوث في تاريخ السنة المشرّفة: ٢١٠.