الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٩٦
اتّبعني. قال: لماذا، للآخرة! فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها! قال: فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له مصر وكورها، وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمرو السمع والطاعة.
قال عمرو: واكتب أن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئاً. قال معاوية: لا ينظر الناس الى هذا. قال عمرو: حتى تكتب. قال: فكتب، ووالله ما يجد بداً من كتابتها.
ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرو في مصر، وعمرو يقول له: إنما اُبايعك بها ديني!! فقال عتبة: ائتمن الرجل بدينه، فإنه صاحب من أصحاب محمد. وكتب عمرو الى معاوية:
| معاويَ لا اُعطيك ديني ولم أنل | به منك دنيا فانظرن كيف تصنعُ |
| وما الدين والدنيا سواء وإنني | لآخذ ما تعطي ورأسي مقنّعُ |
| فإن تعطني مصراً فأربحُ صفقة | أخذتَ بها شيخاً يضرّ وينفعُ[١] |
وقد أخرج المؤرخون والحفّاظ هذه القصة بتفصيلات أكثر، ولكنني أعرضت عنها روماً للاختصار، إذ أن هذه الشواهد تكفي لكي تكشف عن النوايا الحقيقية لكل من معاوية وعمرو بن العاص، وعن الصفقة الدنيوية التي باع بها عمرو دينه، ولقد كان الصحابة يعرفون بعضهم أفضل مما نعرف نحن أو ابن العربي أو ابن كثير وغيرهم، فهذا عمار بن ياسر، السبّاق المبشّر بالجنة، الموعود بالقتل بأيدي الفئة الباغية الداعية الى النار -كما أخبر النبي- يدنو من عمرو بن العاص فيقول له:[٢]
[١] العقد الفريد لابن عبد ربه ٤: ١٤٤.
[٢] وهو الكلام الذي حذفه ابن كثير.