الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٩٤
هذه الدنيا!
فصالحه معاوية وعطف عليه[١].
فمن هذه النصوص وغيرها نعلم أن عمراً كان أبعد من يحق له من الناس أن يدعي الطلب بدم عثمان، بل إنه هو أحد المطلوبين لهذا الدم، لأن التحريض على القتل قد يكون سبباً ودافعاً إليه، فيكون المحرّض كالقاتل سواء بسواء، ولم يكن معاوية غافلا عن ذلك، ولو أنه كان صادقاً في دعواه بالطلب بدم عثمان، لكان ينبغي عليه أن يحاسب عمراً قبل غيره وهو في قبضته، ولكن معاوية كان يرمي لأهداف اُخرى، ولم يكن عمرو بن العاص ساذجاً لتخفى عليه نوايا معاوية الحقيقية، ولقد عبّر عن رأيه صراحة أمام معاوية حين قال له: أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة، إن في النفس من ذلك ما فيها... ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا.
أما الدنيا بالنسبة لعمرو فقد كانت ولاية مصر، نعم مصر التي انتزعه عثمان عنها فبقيت في نفسه بعد أن ذاق حلاوتها، فقد روى الزبير بن بكار قال:
لما قلّد عمر عمرو بن العاص مصراً، بلغه أنه قد صار له مال عظيم من ناطق وصامت، فكتب إليه: أما بعد، فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك ولا كان لك مال قبل أن استعملك، فأنّى لك هذا؟! فوالله لو لم يهمني في ذات الله إلاّ من اختان في مال الله، لكثر همّي وانتثر أمري، ولقد كان عندي من المهاجرين الأولين من هو خير منك، ولكني قلدتك رجاءَ غنائك، فاكتب إليّ من أين لك هذا المال، وعجّل!
[١] الطبري ٤: ٥٦٠، الاستيعاب ٣: ٢٦٦، الاصابة ٣: ٣٨١.