الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٧٤
أما إذا كان الدكتور امحزون يعلم - في قرارة نفسه- أن تلك الروايات مكذوبة، فإن الروايات التي جاءت عن الثقات، والتي سبق وأن أوردناها حول معركة الجمل، تؤكد أن علياً قد بذل لهم الصلح أيضاً، ووقف ثلاثة أيام يفاوضهم ويعظهم وينصحهم، وأنه دعا طلحة والزبير ووعظهما، وأنه لم يبدأ الحرب حتى دعاهم الى كتاب الله، ولكنهم هم الذين بدأوه القتال! وهلاّ كان الدكتور امحزون يوجّه هذه الملاحظة الى موقف معاوية وينصحه بالتنازل عن بعض حقه - إن كان معه شيء من الحق أصلا- ومع ذلك فإن الدكتور امحزون يعود فيناقض نفسه حيث يقول:
وذكر يحيى بن سليمان الجعفي في (كتاب صفين) بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أنت تنازع علياً في الخلافة; أو أنت مثله! قال: لا، وإني أعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه؟ فأْتوا علياً فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان.
فأتوه فكلّموه، فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إلي، فامتنع معاوية[١].
فلماذا لم يتنازل معاوية عن شرطه بدفع قتلة عثمان إليه ليقتلهم كما هي عادة الجاهلية التي نهى عنها الإسلام، ولماذا ظل يرفض طلب الخليفة المنسجم مع مبادئ الإسلام، فيدخل في الطاعة أولا، ثم يحتكم الى الخليفة في قتلة عثمان؟ إن السبب واضح تماماً، إذ أن معاوية كان يعلم أنه يراهن على جواد خاسر، ولكن لم تكن لديه ذريعة اُخرى يحقق بها مطامعه.
وأخيراً فإن هؤلاء المؤلفين لو كانوا يبتغون الحقيقة كما هي من دون ميل
[١] تحقيق مواقف الصحابة ٢: ٤٧ عن ابن حجر في الفتح ١٣: ٨٦.