الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٦
يرجع الى أن بعض الباحثين قد أخطأُوا الطريق حينما انجرفوا وراء أفكار وأساليب المستشرقين المغرضين، فحاولوا الطعن في التراث والتشكيك بالعقيدة الاسلامية، فأساءوا الى روح البحث العلمي البنّاء.
وقد أدى كل ذلك الى ظهور ما يمكن تسميته بحالة (تملّق الجماهير) في كتابات كثير من المؤلفين، وفيهم من ذوي الأسماء اللامعة والمكانة العلمية عدد غير قليل، فتجد أحدهم يحوم حول موضوع البحث الحسّاس، فإذا شعر بأنه قد اقترب من منطقة الخطر، راح يفتعل التبريرات لأخطاء الماضي بشكل تظهر عليه سمات المجاملة بوضوح، وبشكل خاص عندما يكون مدار البحث حول الخلافات السياسية ذات الطابع الديني، فتجد المؤلف ينتقد بعض شخصيات هذه الأحداث، لكنه سرعان ما يتراجع قليلا بافتعال التبريرات.
لا شك أن مهمة الباحث في نقد التاريخ ليست سهلة، لكن الاخلاص للحقيقة يهوّن المصاعب دون شك، "ومما يسهّل النقد علينا، أن كثيراً مما كتب للدعاية، وضع بأشكال اُسطورية لا يقف أمام النقد، ولكن عقدة واحدة تقف أمامنا هنا، وهي اشتباك الدين بالسياسة، وإدخال اُمور لها أهميتها في فهم التاريخ في مجال العقيدة، وهذا مما يجعل المؤرخ حذراً في معالجتها لئلا يصطدم بسلك كهربائي لا يدري ماذا سيثير"[١].
وليس الباحث المعاصر هو وحده الذي يشكو من هذه العقبة، بل إن كبار المؤلفين القدامى -أمثال الطبري وغيره- قد وجدوا "أن هناك سلطاناً آخر يخضع المؤرخ في كثير من الأحيان إليه، هو سلطان الرأي العام، فالمؤرخ مضطر بحكم مقامه بين مواطنيه أن يراعي شعورهم وإلاّ عرّض نفسه
[١] مقدمة في تاريخ صدر الاسلام، عبد العزيز الدوري: ١١.