الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٣٤٢
كان يفرض عليه طاعة ولي أمره -كما أمر الله سبحانه وتعالى- فكان عليه أن يبدأ أولا بالامتثال لأمر الخلع الذي جاءه من الخليفة، فيخلع نفسه من منصبه، ثم يقدم على الخليفة ويعرض عليه ظلامته، ويطلب منه محاكمة المتهمين بقتل عثمان وإقامة الحد عليهم إن ثبتت عليهم التهمة بقتل عثمان ظلماً، فيأخذ العدل مجراه وتنتهي المشكلة، ولكن معاوية فضّل اتّباع سنّة الجاهلية على سنّة الاسلام، فراح يطالب بالثأر وتسليم قتلة عثمان إليه ليقتلهم دون محاكمة، ورفض في سبيل ذلك كل المحاولات التي قام بها بعض الصحابة للحيلولة دون نشوب الحرب بين المسلمين مجدداً.
أما اعتراف ابن العربي بأن معاوية قد كفّ عن ملاحقة قتلة عثمان عندما صار إليه الأمر، وأن بني اُمية ما كانوا يفعلون في ملكهم ما أضحوا له يطلبون، فان هذا الاعتراف هو أكبر دليل إدانة بحق معاوية، ويكشف عن نياته الحقيقية بكل وضوح، فإن تهاونه في ملاحقة قتلة عثمان يدل على إحدى اثنتين:
١ - إما أن يكون معاوية متيقناً من أن هؤلاء قد قتلوا عثمان بغياً عليه، وأن دعواه في المطالبة بدم عثمان صادقة وصادرة عن قناعة لا يشوبها ريب، تبرّر خوض تلك الحرب الضروس الذي سالت فيها أنهار من دماء المسلمين من الطرفين، فيكون معاوية بتهاونه عن إقامة الحد على اُولئك القتلة، قد عطّل حدّاً من حدود الله لا ينبغي التهاون فيه، لأن في تعطيل الحدود خروجاً على أمر الله ورسوله وتعطيلا للشريعة وإفساداً للمجتمع الاسلامي، وتشجيعاً لأهل البغي، فتكون جريمة معاوية في هذه الحالة، ليست بأقل خطراً من جريمته في الخروج على السلطة الشرعية وإراقة دماء المسلمين.