الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٢٤٩
جمع الأعوان وتعبئتهم لا يمكن أن يتحقق إلاّ بجهد، ويستحيل تحقيق ذلك في عاصمة الخلافة، فكان الرأي بعد المشورة هو البدء من مكان آخر خارج العاصمة، ولم يكن هناك ما يبرر الخروج من المدينة لاستكمال تهيئة مستلزمات الثورة إلاّ بانتحال عذر مقبول، "فدخل الزبير وطلحة على علي (عليه السلام) فاستأذناه في العمرة، فقال: ما العمرة تريدان. فحلفا له بالله أنهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما: ما العمرة تريدان، وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة، فحلفا بالله ما الخلاف عليه ولا نكث البيعة يريدان، وما رأيهما غير العمرة. قال لهما: فأعيدا البيعة لي ثانية; فأعاداها بأشد ما يكون من الأيمان والمواثيق، فأذن لهما، فلما خرجا من عنده قال لمن كان حاضراً: والله لا ترونهما الاّ في فتنة يقتتلان فيها.
قالوا: يا أمير المؤمنين، فمر بردّهما عليك. قال: ليقضي الله أمراً كان مفعولا...
وكان التنصل من البيعة ونكثها أول خطوة لبدء التمرد، إذ أن طلحة والزبير ما كادا يخرجان من المدينة الى مكة، حتى "لم يلقيا أحداً إلاّ وقالا له: ليس لعلي في أعناقنا بيعة، وإنما بايعناه مكرهين.
فبلغ علي (عليه السلام) قولهما، فقال: أبعدهما الله وأغرب دارهما! أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل، ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم، والله ما العمرة يريدان، ولقد أتياني بوجهَي فاجرين، ورجعا بوجهي غادرين ناكثين، والله لا يلقيانني بعد اليوم إلاّ في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما، فبعداً لهما وسحقاً[١].
[١] شرح نهج البلاغة ١: ٢٣٢، أنساب الاشراف ٣: ٢٢.