الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٢٤٣
حيرته أمامها في البداية. إلاّ أنني أجد من الضروري أن نناقش أولا الفقرة التي اعتبرها القاضي ابن العربي السبب الحقيقي لخروج أصحاب الجمل لصحة الأخبار عنها، وهي ادعاؤه بأنهم خرجوا بهدف الاصلاح بين المسلمين لكيلا تقع الحرب بينهم!
إن كلام ابن العربي يمكن أن يكون مقبولا لو كان هنالك أمر يستدعي الخروج للاصلاح، إذ لم يصل إلينا خبر أو أثر - حتى لو كان ضعيفاً- عن وجود أمر أو حادثة شغب وقعت في البصرة في الفترة بين مقتل عثمان ومجيء أصحاب الجمل، وهي لا تقل عن أربعة أشهر كما تذكر الروايات، فلقد تمت البيعة لعلي بن أبي طالب، وبدأ الخليفة الجديد يمارس مهامه، وقام بتفريق عمّاله على الولايات، فكانت البصرة من نصيب عثمان ابن حنيف الذي باشر اُمور ولايته بشكل طبيعي، ولم يترك لنا التأريخ وثيقة تقول بأن عثمان بن حنيف قد بعث كتاباً الى الخليفة يخبره بوجود اضطراب أو شغب يستدعي تدخل أحد لفضه! بل إن الاُمور قد سارت على عكس ما يدعيه القاضي ابن العربي، فإن مجيء أصحاب الجمل الى البصرة، كان مقدمة لفتنة جديدة استتبعها وقوع حرب طاحنة راح ضحيتها اُلوف المسلمين من بينهم عدد من كبار الصحابة وعلى رأسهم الصحابيان اللذان قادا معركة الجمل (طلحة والزبير)، وجُرحت اُم المؤمنين عائشة، وكادت تُقتل، فكانت تلك أول حرب تدور رحاها بين المسلمين أنفسهم. وفوق هذا وذاك، فإن ابن العربي ينقض الأخبار التي تصافقت على أن الهدف المعلن لخروج أصحاب الجمل كان المطالبة بدم عثمان، كما تثبت ذلك جميع المصادر، وكما سوف يتبين لنا من اعترافات أصحاب الجمل أنفسهم، وهي الحجة ذاتها التي تذرع بها معاوية بن أبي سفيان وأنصاره فيما بعد.