الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ١٦٩
يتغذى ويتعشى معهم، فقال لهم يوماً: إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالاسلام شرفاً وغلبتم الاُمم وصوبتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم. إن أئمتكم لكم الى اليوم جُنّة[١]، فلا تشذوا عن جُنّتكم، وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم.
فقال رجل من القوم: أما ما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوّفنا، وأما ما ذكرت من الجُنة فإن الجُنة إذا اخترقت خُلص إلينا.
فقال معاوية: عرفتكم الآن، علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلا، اُعظم عليك أمر الاسلام واُذكرك به، وتذكرني الجاهلية! وقد وعظتك، وتزعم لما يُجنّك أنه لا يُخترق، ولا يُنسب ما يخترق الى الجُنة... أخزى الله أقواماً اعظموا أمركم، ورفعوا الى خليفتكم. إفقهوا - ولا أظنكم تفقهون- إن قريشاً لم تعز في جاهلية ولا إسلام الاّ بالله عزّوجل، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً وأمحضهم أنساباً، وأعظمهم أخطاراً، وأكملهم مروة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضاً الاّ بالله الذي لا يُستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرماً آمناً يُتخطف الناس من حولهم. هل تعرفون عرباً أو عجماً أو سوداً أو حمراً الاّ قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولته، الاّ ما كان من
[١] جُنّة: أي وقاية.