الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ١٥٥
هو مخالفة صريحة للسنة النبوية المتواترة، ولا يمكن الادعاء أن عثمان قد اطّلع على ما لم يطّلع عليه غيره من سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، لأن صلاة النبي في الموسم كانت مشهودة من عشرات الاُلوف من المسلمين، فضلا عن أن استمرار أبي بكر وعمر، بل وحتى عثمان نفسه شطراً من خلافته على قصر الصلاة يثبت ذلك.
وأمام هذه الحقيقة، لم يجد بعض العلماء من عذر لعثمان سوى دعوى الاجتهاد، ومن القائلين بذلك، أبو بكر بن العربي، إذ قال:
وأما ترك القصر، فاجتهاد، إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنّة ربما أدت الى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة خوف الذريعة، مع أن جماعة من العلماء قالوا: إن المسافر مخيّر بين القصر والاتمام، واختلف في ذلك الصحابة[١].
لكن هذه الأعذار التي يسوقها ابن العربي لا تبرر عمل عثمان، وهي كلها من التأويلات التي استحدثت فيما بعد تصحيحاً لموقف عثمان، إذ ما وجه الاجتهاد أمام سنة نبوية لا تقبل شكاً ولا جدلا، وخوف عثمان من إفتتان الناس بالقصر - لو صح ذلك- لا يبرر تغيير هذه السنّة، بل كان في مقدوره أن يجمع الناس في الموسم ويلقي عليهم خطبة يبين فيها الوجه الصحيح، ويؤيده الصحابة في ذلك، وفيه الكفاية، وهذا هو في الحقيقة واجب الخليفة الذي قام مقام النبي (صلى الله عليه وآله).
وموقف الصحابة من عثمان يكفي لاثبات خطئه،وإن كانت هذه المواقف قد تعرضت لبعض التزييف أيضاً، كما سوف يتبين بعد قليل.
[١] العواصم من القواصم: ٩٠.