لئالي الأصول - علوی گرگانی، محمدعلی - الصفحة ٤٠٢ - الانقسامات اللاحقة للاستصحاب
ثمّ إنّه مثّل لتوضيح مطلبه بمثال وهو قوله: (ألا ترى أنّه إذا حكم العقل بقبح الصدق الضّار، فحكمه يرجع إلى أنّ الضّار من حيث إنّه ضارّ حرامٌ، ومعلوم أنّ هذه القضيّة غير قابلة للاستصحاب عند الشّك في الضرر مع العلم بتحقّقه سابقاً، لأنّ قولنا: (المضرّ قبيحٌ) حكمٌ دائمي لا يحتمل ارتفاعه أبداً، ولا ينفع في إثبات القبيح عند الشّك في بقاء الضرر، ولا يجوز أن يقال إنّ هذا الصدق كان قبيحاً سابقاً فيستصحب قبحه، لأنّ الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المُضرّ، والحكم له مقطوع البقاء.
ولكن اجيب عنه أوّلًا: بالمنع بأن يكون كلّ خصوصيّة أخذها العقل في موضوع حكمه أن يكون لها دخلٌ في مناط حكمه واقعاً، للبداهة أنّه ربّما لا يُدرك دخالة بعض خصوصيّته في مناط الحُسن أو القبح واقعاً، وكان أخذه فيه لأجل كون الموضوع الواجد لتلك الخصوصيّة هو المتيقّن في قيام مناط الحُسن أو القبح، مع احتمال أن لا يكون دخيلًا فيه واقعاً؛ مثلًا يمكن أن يكون حكم العقل بقبح الكذب الضارّ الذي لا يترتّب عليه نفعٌ للكاذب ولا لغيره إنّما هو لأجل أنّ الكذب المشتمل على هذه الخصوصيّات هو القدر المتيقّن في قيام مناط القبح فيه، مع أنّه يُحتمل أن لا يكون لخصوصيّة عدم ترتّب النفع دخلٌ في القبح، بل أن يكون الملاك في القبح مجرّد ترتّب الضرر عليه، وإن لزم منه حصول نفعٍ للكاذب أو لغيره. والحكم الشرعي المستكشف من حكم العقل إنّما يدور مدار ما يقوم به مناط القبح واقعاً، فيمكن بقاء حكم الشرعي مع انتفاء بعض الخصوصيّات التي