مقامع الفضل - البهباني، الشيخ محمد علي - الصفحة ١٥٤ - جواب
شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [١] و معلوم أنّ الكفّار لم يعترفوا به بلسانهم لكنّه لمّا ظهر منهم ظهورا لا يتمكّنون من دفعه فكأنّهم اعترفوا به.
و كقول الشاعر:
قالت له العينان سمعا و طاعة * * * و حدّرتا كالدرّ لمّا يثقّب [٢]
و قول القائل: جوارحي تشهد بنعمك و قول الخطباء: سل الأرض من شقّ أنهارك و غرس أشجارك، و انيع ثمارك، فإن لم تجبك خوّارا أجابتك اعتبارا ...
إلى غير ذلك من كلام العرب نظما و نثرا.
فمعنى الآية الشريفة- و اللّه يعلم- أنّه تعالى أخرج من أصلاب بني آدم نسلهم ما يتوالدون قرنا بعد قرن و أشهدهم على أنفسهم، أي نصب لهم دلائل الربوبية و ركّب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتّى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قٰالُوا: بَلىٰ، أ لا ترى! أنّه احتجّ عليهم بما لا يقدر من يوم القيامة أن يتأوّلوا في إنكارهم حيث قال عز و جلّ: بَلىٰ شَهِدْنٰا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰامَةِ إِنّٰا كُنّٰا عَنْ هٰذٰا غٰافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمٰا أَشْرَكَ آبٰاؤُنٰا مِنْ قَبْلُ الآية [٣].
أقول: و ممّا يؤيّدهم أنّ ظاهر الآية تخالف تلك الرواية كما ذكروا من وجوه منها: قوله تعالى: مِنْ بَنِي آدَمَ.
و منها: جمع الضمائر.
و منها: حكاية الاعتذار عنهم بشرك الآباء مع أنّه لا يتمشّى ذلك في ولد آدم من صلبه، و كذا أولاد الأنبياء على مذهب الإمامية.
فالحقّ الحقيق بالاتباع الذي تقبله الطباع و لا تمجّه الأسماع أن يقال: إن كان على المسألة ضرورة أو إجماع- كما هو الظاهر- فهو المتبع.
[١] التوبة (٩): ١٧.
[٢] مصنفات الشيخ المفيد (المسائل العكبرية): ٦/ ١١٣ و ١١٤. (مع اختلاف يسير).
[٣] الاعراف (٧): ١٧٢ و ١٧٣، مجمع البيان: ٣/ ٦١ و ٦٢ (مع اختلاف يسير).