الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٨٦
أحدهما: عسيت، إلى آخرها، و الآخر: عساك، إلى آخرها، و يسقط الوجهان الأوّلان لأنّ أحدهما هو الذي/ وقع هذا المضمر موقعه، و الآخر لا يستقيم أن يكون مضمرا، لأنّه «أن» و الفعل لفظا، فلا يستقيم تغييره، و الظّاهر أنّه قصد استعمالها مع المضمر خاصّة باعتبار الوجهين الأوّلين، فجعل في الوجه الأوّل وجهين: عسيت و عساني إلى آخرهما على ما ذكر في المضمرات، و جعل في الثاني وجها واحدا باعتبار فاعل الفعل الواقع بعد أن، و ليس ذلك من أحكام عسى، و إنّما ذلك قياس إضمار الأسماء، فلم يكن لذكره مع «عسى» وجه.
و أمّا «كاد» فلم يأت إلّا على نحو واحد، و هو قياس الأفعال في الظّاهر و المضمر، و قد ضمّ بعضهم فاءها مع المضمر [كقولك: «كدت»] [١]، كأنّه جعلها من الواو، و ليس بالقويّ، و الفصل بين «عسى» و «كاد» واضح من قوله، و قد تقدّم ما يرشد إليه.
قال: «و قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [٢]».
قال الشيخ: اختلف النّاس في «كاد» فقال بعضهم: هي في الإثبات نفي، و في النفي إثبات [٣]، و تمسّكوا في الإثبات بأنّك إذا قلت: «كاد زيد يخرج»، فالخروج غير حاصل، فهذا معنى كونها نفيا في الإثبات، و تمسّكوا في النّفي بمثل قوله تعالى: وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ [٤]، و معلوم أنّهم فعلوا، و بقوله [٥]:
إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد
رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
على ما سيأتي، و هذا معنى الإثبات في النّفي، و هذا مذهب فاسد، فإنّ قوله: «كاد زيد يخرج» معناه إثبات مقاربة الخروج، و هذا معنى مثبت، و أخذ النفي للخروج ليس من موضوعه، و إنّما هو من قضيّة عقليّة، و هو أنّ الشّيء إذا كان محكوما عليه بقرب الوجود علم أنّه غير
[١] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د. ذكر سيبويه عن بعض العرب الضم في «كدت»، انظر الكتاب: ٣/ ١١، ٤/ ٤٠، ٤/ ٣٤٣، و السيرافي: ١٢٤، و شرح المفصل لابن يعيش: ٧/ ١٢٤، و ارتشاف الضرب: ٢/ ١٢٦
[٢] النور: ٢٤/ ٤٠
[٣] هو مذهب ثعلب، انظر مجالس ثعلب: ١٤١- ١٤٢، و ضعف ابن مالك و ابن هشام هذا الرأي، و صححا أن إثباتها إثبات و نفيها نفي، انظر شرح التسهيل لابن مالك: ١/ ٣٩٩، و مغني اللبيب: ٧٣٧- ٧٣٨
[٤] البقرة: ٢/ ٧١، و الآية فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ.
[٥] هو ذو الرمة، و البيت في شرح ديوانه: ١١٩٢، و شرح المفصل لابن يعيش: ٧/ ١٢٥، و الخزانة: ٤/ ٧٤- ٧٥ و رسيس الهوى: مسّه، و يبرح: يزول، و هو فعل تامّ، انظر الخزانة: ٤/ ٧٥