الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٧
قال الشيخ: أحدهما [١] جار على قياس أخواته/، و هو الذي ابتدأ به على أن يكون الأوّل سببا للثاني، و انتفى السّبب فينتفي المسبّب، و هو معنى قوله: «فكيف تحدّثنا».
و الآخر: أن تقصد إلى أنّ الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأوّل، فكأنّه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقيب الأوّل، كما تقول: «ما جاءني زيد و عمرو» أي: ما جاآ بصفة الاجتماع، فيجوز أن يكون أحدهما جاء [٢]، فكذلك ههنا يجوز أن يكون الإتيان وقع دون الحديث، إذ لم ينف إلّا معاقبة الثاني للأوّل، فكأنّه نفى الأوّل بصفة معاقبة الثاني له، لا أنّه [٣] نفى كلّ واحد منهما كما ذكر في مسألة الواو، و لذلك قرّر سيبويه المسألة بتقدير الإتيان على سبيل الكثرة و انتفاء الحديث [٤]، ليوضّح أنّ النّفي لم يرد إلّا على ما ذكره، و لم يرد سيبويه أنّ مدلول الكلام ذلك في كلّ موضع، و إنّما أراد به التمثيل لبعض صوره ليحقّق المعنى المذكور، و قد جاء في الحديث عنه عليه السّلام: «لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسّه النار إلّا تحلّة القسم» [٥]، فهذا على الوجه الثاني، لأنّ المقصود من النّفي نفي المسّ عقيب الموت المذكور، كما أنّ المقصود نفي الحديث عقيب الإتيان، و لا يستقيم على الوجه الأوّل، إذ لا يقدّر موت الولد سببا للمسّ حتّى ينتفي لانتفائه، بل الأمر بالعكس، [يعني أنّ موت الولد سبب لدخول الجنّة] [٦]، و لا يستقيم أن يحمل على تفسير سيبويه بالكثرة، إذ ليس المقصود أنّ موت [٧] ثلاثة من الولد لكلّ واحد واقع [٨] كثيرا، و لكن لا يحصل بعده مسّ، و إنّما المقصود أنّ مسّ النّار لا يكون مع موت ثلاثة من الولد كما أنّ المقصود ثمّة أنّ الحديث لا يكون بعد الإتيان.
و اتّفق أنّ من صور المسألة أن يقع الأوّل كثيرا، و لا يقع الثاني، فمثّلها سيبويه لتتّضح و يتبيّن الفصل بينه و بين المعنى الأوّل، لأنّه يخالفه في ذلك، لا على أنّ ذلك ملازم له لما تبيّن في المعنى.
قوله: «و يمتنع إظهار أن مع هذه الأحرف».
[١] في د: «أحدها». تحريف.
[٢] في د: «وقع».
[٣] في ط: «لأنّه»، تحريف.
[٤] انظر الكتاب: ٣/ ٣٠، و المقتضب: ٢/ ١٦- ١٧
[٥] الحديث في صحيح البخاري: ١/ ٤٢٢- كتاب الجنائز. و روايته «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار».
و هو في مسند الإمام أحمد: ٣/ ٢٩.
[٦] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د.
[٧] في ط: «يموت».
[٨] في ط: «يقع».