الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٥٠
أكرم» و «زيدا لا تكرم»، أمّا «زيدا أكرم» فإمّا أن يكون لكثرته في كلامهم جعلوا له في التقديم و التأخير شيئا ليس لغيره، و إمّا لكونه مجرّدا عن الحرف الدّالّ على الإنشاء، فإن اعترض بقولهم: «زيدا ليضرب عمر» فهو قليل، ثمّ التحقيق فيه أنّه محمول على «زيدا اضرب»، لأنّه مثله في المعنى [١].
و أمّا «زيدا لا تضرب» فمحمول على الأمر، فإنّهما أخوان في الكثرة و الطّلب، فلمّا جاز ما تقدّم في الأمر جاز مثله في النّهي، و لّما كان الشّرط كالاستفهام في الإنشاء و وجود الحرف الدّالّ على ذلك وجب له صدر الكلام الذي هو فيه، فلم يجز «عمرا إن تضرب أضرب» و لا أشباه ذلك [٢].
فأمّا إذا تقدّم مثل قولك: «أنت طالق إن دخلت الدّار» فهذا ممّا اختلف فيه، فمنهم من يقول [٣]: هو الجزاء [٤]، و منهم من يقول: هو [٥] جملة مستقلّة دلّت على الجزاء [٦]، و ليس هذا الخلاف بالمسوّغ: «زيدا إن تضرب أضرب»، لأنّ القائل بأنّ الذي تقدّم هو الجزاء ملتزم بأنّ جملة الشرط التي هي الإنشاء لا يتقدّم شيء ممّا في حيّزها عليها [٧]، و ما تقدّم جملة أخرى ليست جزاء من جملة الشرط، فلم يكن مثل قولك: «زيدا إن تضرب أضرب».
و الوجه أنّ الجزاء مقدّر [٨] مثله، إلّا أنّه حذف للعلم به و يتمسّك من ذهب إلى الأوّل بأنّ هذا الكلام المتقدّم لو كان إخبارا مطلقا و ليس معلّقا على الشّرط لوجب أن تطلق و إن لم تدخل الدّار، و لّما لم يكن ذلك و كان بمثابة ما لو قال: إن دخلت الدّار فأنت طالق بالإجماع وجب أن/ يقضى عليه بالجواب، إذ لا معنى للجواب إلّا ما علّق على الشّرط، و هو معنى قويّ، إلّا أنّ الأحكام اللّفظيّة تعارضه.
[١] انظر ارتشاف الضرب: ٢/ ٥٤٣
[٢] أجاز الكسائي تقديم معمول الشرط على أداة الشرط، و وافقه الفراء و أجاز تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط، و منع البصريون ذلك، انظر الإنصاف: ٦٢٣- ٦٣٢، و شرح التسهيل لابن مالك: ٤/ ٨٦، و ارتشاف الضرب: ٢/ ٥٥٨
[٣] في د: «قال».
[٤] هم الكوفيون و أبو زيد الأنصاري و المبرد، انظر النوادر لأبي زيد: ٢٨٣، و المقتضب: ٢/ ٦٨، و شرح التسهيل لابن مالك: ٤/ ٨٦
[٥] في د: «إنه»، و في ط: «هي».
[٦] هم البصريون، انظر الإنصاف: ٦٣٢، و شرح المفصل لابن يعيش: ٩/ ٧، و ارتشاف الضرب: ٢/ ٥٥٨
[٧] سقط من ط: «عليها».
[٨] في ط: «مقدم». تحريف.