الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٣٠
«و من أصناف الحرف حرف التقريب».
قد يسمّى تقريبا و يسمّى حرف توقّع و يسمّى حرف توكيد، و يسمّى حرف تحقيق، كلّ ذلك باعتبار معناه، و هو يفيد ذلك.
فأمّا معنى التقريب فيه فهو أنّك إذا قلت: «قد قام زيد» كان داّلا على أنّ قيامه قريب من إخبارك، بخلاف قولك: «قام زيد» فإنّه ليست فيه هذه الدّلالة، فثبت أنّها مستفادة من «قد»، و من ثمّ اشترطت في الماضي إذا وقع حالا لفظا أو تقديرا، كقولك: «جاء زيد و قد ضرب غلامه»، و لو قلت: «جاء زيد و ضرب غلامه» من غير تقدير «قد» لم يجز، لأنّ الماضي لا يصلح أن يكون حالا لتضادّهما في المعنى، و قد تقدّم ذلك، و لذلك قال [١] في بيانه: «تقرّب الماضي من الحال»، و قرّره بقولهم: «قد قامت الصّلاة».
و أمّا كونها للتوكيد فلما ذكره سيبويه من أنّه جواب قولك: «هل فعل» [٢] و «لّما يفعل» [٣]، و فيهما معنى التوكيد، فإذا كان جواب المؤكّد كان توكيدا.
و أمّا كونها بمعنى التّوقّع فلما ذكره الخليل من قوله: «هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر» [٤]، و معنى ذلك أنّك إنّما تخبر [٥] بذلك من ينتظر الإخبار به في ظنّك أو علمك، و منه قولهم [٦] «قد قامت الصّلاة»، و لذلك قال [٧]: «لا بدّ فيه من معنى التّوقّع»، و هذا كلّه إذا دخل على الماضي، فأمّا إذا دخل/ على المضارع فهو للتقليل على ما ذكره، كقولهم: «إنّ الكذوب قد يصدق»، و ألفاظ التقليل قد استعملت للتّحقيق كقوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [٨]، و قوله: قَدْ يَعْلَمُ
[١] أي: الزمخشري.
[٢] قال سيبويه: «فمن تلك الحروف «قد» لا يفصل بينها و بين الفعل بغيره، و هو جواب لقوله: أفعل [و في نسخة أ: هل فعل] كما كانت «ما» جوابا ل «هل فعل». الكتاب: ٣/ ١١٤.
[٣] الكتاب: ٤/ ٢٢٣.
[٤] الكتاب: ٤/ ٢٢٣.
[٥] في د. ط: «تجيز». تصحيف.
[٦] سقط من د: «قولهم».
[٧] أي: الزمخشري.
[٨] الحجر: ١٥/ ٢، و تتمة الآية: لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.