الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١١٣
و إنّما فصله من ذلك لأنّه مخالف له من وجه آخر، و ذلك أنّ المعاني الأول كلّها يمكن أن يتمرّن عليها لتحصل بعد أن لم تكن، لأنّ الإنسان قد يمرّن نفسه على الحلم و المروءة و الصّبر حتّى يحصل ذلك، و لا يمكن ذلك في مثل: تقيّس و تنزّر، فإنّه إذا لم يكن من هذه القبيلة لا يكون منها أبدا، و إنّما أدخل فيه لأنّ الغرض استعمال ذلك ليحصل عند النّاس اعتقاد ذلك، فلمّا كان الغرض من الأمرين حصول ذلك معتقدا أجراهما مجرى واحدا، فقد ظهر الفرق بينهما.
قال: «و بمعنى استفعل».
الظّاهر أنّه أراد «بمعنى استفعل» أصل معنى استفعل، و أصل معناه طلب ذلك الفعل، كقولك: استعلم و استعطى، أي: طلب/ العلم و العطاء، ثمّ مثّل بتكبّر و تعظّم و تعجّل الشيء و تيقّنه، كأنّه طلب الكبر من نفسه و العظمة، كقولهم في استفعل: استخرجته أي: لم أزل أطلب خروجه من نفسي حتّى خرج، و أمّا تعجّل فظاهر، و تيقّنه كتكبّر، كأنّه طلب التّيقّن [١] من نفسه حتى حصل، فلذلك يطلق «تيقّن» في موضع «علم»، و «تقصّاه»، و «تبيّنه» مثل «تيقّنه»، لأنّ الطّلب من نفسه [٢]، و يجوز أن يكون تقصّاه و استقصاه بمعنى طلب غايته و أقصاه من غيره أيضا، فيكون على الأصل في معنى استفعل من غير تأويل.
«و للعمل بعد العمل في مهلة»، نحو تجرّعه، أي: شربه جرعة بعد جرعة، و تحسّاه أي:
حسوة بعد حسوة [٣]، و تعرّقه أي: أخذ ما عليه [٤] من اللّحم شيئا بعد شيء [٥]، و تفوّقه إذا [٦]:
شربه فواقا بعد فواق [٧]، و منه تفهّم و تبصّر و تسمّع، كأنّه حصل له فهمه شيئا بعد شيء.
«و بمعنى اتّخاذ الشيء، نحو: تديّرت المكان» أي: اتّخذته دارا، و «توسّدت التّراب» أي:
[١] في د. ط: «اليقين».
[٢] بعدها في الأصل: «بعده» و بعدها في ط: «بعد العمل»، و كلاهما مقحم، لأن المراد أن الطلب واقع من نفسه لا من غيره، و انظر عبارة الشارح بعد قليل.
[٣] «حسا الطائر الماء: و هو كالشّرب للإنسان». اللسان (حسا) و «الحسوة بالضم: الشيء القليل» القاموس (حسا).
[٤] سقط من د: «أي: أخذ ما عليه». خطأ.
[٥] «عرق العظم عرقا و معرقا كمقعد أكل ما عليه من اللّحم كتعرّقه» القاموس (عرق).
[٦] في د: «أي».
[٧] «فوّق السّهم جعل له فوقا و الفصيل سقاه اللّبن فواقا و فواقا ... و تفوّق ترفّع و الفصيل شرب اللّبن فواقا فواقا». القاموس (فوق).