الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٨٢
معنى النفي حاصل لم يرجع الإثبات الذي دخل عليه نفيا، فكيف/ يزول معنى النفي و باعتباره قد حصل المعنى مثبتا؟ فالوجه ما عليه العامّة، و لذلك لم يعرف مثل ذلك واقعا في كلامهم.
و أمّا «ليس» فقد زعم بعضهم أنّه يتقدّم خبرها عليها مثل «كان» و استدلّ على ذلك بقوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ [١]، و «يوم يأتيهم» معمول ل «مصروفا»، و إذا تقدّم المعمول دلّ على جواز تقدّم العامل، لأنّه فرع تقدّمه، و إلى ذلك ذهب الزمخشري [٢]، [و هو مذهب البصريّين] [٣]، فإنّه قال: «و قد خولف في «ليس» فجعل من الضّرب الأوّل»، يعني من الذي لا يجوز تقديم خبرها عليها، ثمّ قال: «و الأوّل هو الصحيح»، يعني بالأوّل دخولها فيما يتقدّم الخبر عليها، لأنّه قال: «و ما عداها يتقدّم خبرها على اسمها و عليها»، و لم يتقدّم إلّا حكم ما أوّله «ما»، فقد دخلت «ليس» في قوله [٤]: «و ما عداها»، فإذا قال بعد ذلك: «و الأوّل هو الصّحيح» فهو حكم على هذا القول بالصّحة، و هو تقديم خبرها عليها.
و قد منع قوم تقديم خبرها عليها، و علّته أنّه لم يثبت مصرّحا تقديمه، و لأنّها فعل غير متصرّف معناه نفي، فكان كالحرف في [٥] امتناع تقديم ما في حيّزه عليه.
قال: «و فصّل سيبويه في تقديم الظّرف و تأخيره بين اللّغو منه و المستقرّ» إلى آخره.
يريد بالمستقرّ ما كان خبرا محتاجا إليه، و جعله مستقرّا لأنّه يتعلّق بالاستقرار فالاستقرار فيه، فهو مستقرّ فيه، ثمّ حذف «فيه» اختصارا، و يريد بقوله: «لغوا» ما كان فضلة، و سمّاه لغوا [٦] لأنّك لو حذفته لكان الكلام مستغنيا عنه لا حاجة به إليه.
و وجه استحسانه لذلك أنّه محتاج إليه، فكان في تقديمه إشعار من أوّل وهلة [٧] بأنّه خبر لا فضلة، و في تأخيره إيذان بأنّه لغو لا خبر، فلمّا أفاد هذه الإفادة بتقديمه و تأخيره حسن ذلك فيه على حسب المعنيين.
[١] هود: ١١/ ٨.
[٢] حكى عنه ذلك ابن مالك، في شرحه للتسهيل: ١/ ٣٥١
[٣] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د، و انظر ٢/ ٨١.
[٤] في د: «قولهم». تحريف. و الضمير عائد على الزمخشري، انظر المفصل: ٢٦٩.
[٥] في د: «كالحروف مثل ما في ..».
[٦] في د. ط: «فضلة».
[٧] في د. ط: «الأمر».