الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٣٦
يعني بعد هذه الأشياء الخمسة، لأنّ وزانها في المجزوم وزان المنصوب بعد «حتّى» و أخواته، فكان جائزا أن يعدل به إلى جهة أخرى من الإعراب، و تلك الجهة الرّفع على الصفة إن كان قبله ما يصلح وصفا له، أو على الحال إن كان كذلك، أو على الاستئناف، و قد تقدّر الثلاثة، و قد يقدّر اثنان منها، و مثّل بقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [١]، فهذا يجوز فيه الجزم على الجواب، و الرّفع على الصفة أو الاستئناف [٢]، و بقوله تعالى: ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [٣]، و هذا ظاهر في الحال، لأنّ المعنى: ذرهم على هذه الحالة التي هم عليها، و لا يبعد أن يكون استئنافا إخبارا بلعبهم على جهة الاستئناف، و مثّل في القطع بقوله: «لا تذهب به تغلب عليه»، و هو ما لا يجوز فيه إلّا الرّفع، لأنّ الجزم لا يستقيم، إذ يصير المعنى: فإنّك إن لا تذهب به تغلب عليه، و هو عكس المعنى، فيصير مثل «لا تدن من الأسد يأكلك». و الرّفع على الحال غير مستقيم، إذ يصير المعنى: لا تذهب به في حال كونك مغلوبا عليه، و الغرض الإخبار بالغلبة بعد الذهاب لا النّهي عن الذّهاب في حال الغلبة، فإن قلت: اجعله حالا مقدّرة فهو أيضا ضعيف من جهة أنّ الغرض الإخبار بأنّك تغلب عليه إذا ذهبت به، و إذا/ جعلته حالا كان نهيا عن الذهاب في حال كونك مقدّرا غلبتك، و هما معنيان مختلفان.
و قوله: «قم يدعوك».
أيضا الوجه فيه الرّفع على القطع، لأنّ المراد بذكر «يدعوك» تعليل الأمر بالقيام، فلا يحسن جعله مجزوما لئلّا ينعكس المعنى، إذ يصير القيام سببا للدّعاء، و هو عكس المعنى، و لا يسقيم أن يكون حالا لئلّا يفوت معنى التعليل المذكور، فتعيّن القطع ليحصل المعنى المراد، و منه بيت الكتاب
و قال رائدهم أرسوا نزاولها
فكلّ حتف امرئ يمضي لمقدار
[٤]:
[١] مريم: ١٩/ ٥- ٦، و الآيتان فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
وَلِيًّا
(٥) يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
[٦] .
[٢] انظر إعراب القرآن للنحاس: ٣/ ٦- ٧.
[٣] الأنعام: ٦/ ٩١
[٤] البيت بتمامه: و قال رائدهم أرسوا نزاولها فكلّ حتف امرئ يمضي لمقدار نسب في الكتاب: ٣/ ٩٦، و شرح المفصل لابن يعيش: ٧/ ٥١ إلى الأخطل،
و ليس في ديوانه، و ذكر البغدادي نسبته إلى الأخطل و أنه لم يجده في ديوانه، انظر
الخزانة: ٣/ ٦٥٩- ٦٦٠. قوله: أرسوا أي أقيموا، و نزاولها: مضارع زاول الشيء أي حاوله و
عالجه، و الضمير في نزاولها قد يعود إلى الحرب أو إلى الخمرة، انظر شرح المفصل
لابن يعيش: ٧/ ٥٢، و الخزانة: ٣/ ٦٥٩- ٦٦٠