الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢١٣
«و من أصناف الحروف حروف التصديق و هي: نعم و بلى»، إلى آخرها.
قال الشيخ: سمّيت حروف تصديق [١] لأنّك تصدّق بها ما يقوله المتكلّم، و ذلك في غير «بلى» واضح، و قد تكون «بلى» تصديقا في مثل قول القائل: «ألم أحسن إليك»؟ فتقول: بلى، فهذا تصديق لقوله، لأنّ معنى قوله: «ألم أحسن إليك» إنّي أحسنت إليك، و لكنّه لو قال: «أحسنت إليك» فقلت [٢]: بلى، لم يجز، لأنّ من شرطها أن يكون النّفي في كلام من تجيبه لتثبت بها ما دخل عليه النّفي في كلام المجاب على ما سيأتي.
فأمّا «نعم» فتصدّق بها ما يقوله المتكلّم، فإن كان استفهاما أثبتّ بها ما بعد الاستفهام من إثبات أو نفي، فإذا قال القائل: «أقام زيد» فقلت: نعم فقد [٣] أثبتّ القيام، و إذا قال: «ألم يقم زيد» فقلت: نعم فقد نفيت القيام، لأنّها إثبات لما بعد الاستفهام في كلام المجاب، و بعد الاستفهام ههنا النّفي، فتكون إثباتا للنّفي المذكور.
و أمّا «بلى» فلا تستعمل إلّا بعد النّفي لإثبات المنفيّ، فإذا قال القائل: «ألم يقم زيد» فقلت:
بلى فمعناه: قام، كقوله تعالى: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: بَلى [٤]، و لذلك قال المفسّرون: لو قالوا [٥]: نعم لكان كفرا لما ذكرناه [٦]، و أمّا قوله تعالى: بَلى بعد قوله تعالى: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [٧] فلأنّ معنى «لو أنّ اللّه هداني» ما هداني، فجيء ب «بلى» لإثبات المنفيّ في المعنى،
[١] في د: «سميت بذلك».
[٢] في د. ط: «فقال».
[٣] سقط من د: «فقد».
[٤] الأعراف: ٧/ ١٧٢، و الآية: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى.
[٥] في د: «قال». تحريف.
[٦] قال القرطبي: «و لو قالوا: نعم لكفروا»، الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٢
[٧] الزمر: ٣٩/ ٥٧- ٥٩، و الآيات: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٥٨] بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَ اسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) .